إبراهيم الشهابي يكتب | الزيادة السكانية وأوهام الوفرة

0 405

هل نبالغ عندما نتحدث كثيرًا عن مخاطر الزيادة السكانية في مصر؟ هل يمكن مقارنتنا بالصين والهند؟ هل مشكلة زيادة السكان مؤثرة على الاقتصاد والتنمية فقط، أم أنها تمثل تحدى لبقاء الدولة والمجتمع؟
قضية السكان ديموغرافيا، توزيع السكان، مرتبطة دومًا بالغذاء والماء قبل أي شيء. والتاريخ والجغرافيا تشهدان بذلك، فحياة الإنسان تحتاج الى ثلاثة عناصر رئيسية هي: الماء العذب والتربة الصالحة للزراعة والمناخ المعتدل، وكان هذا هو السبب الجوهري في ظهور الحضارات القديمة كلها، بداية من الحضارة المصرية والأشورية والفارسية والصينية والهندية، كلها قامت على أنهار وأرض صالحة للزراعة ومناخ معتدل يصلح للزراعة، ولهذا السبب تأتي أعلى مناطق الكثافة والزيادة السكانية في العالم على ضفاف أنهار وعلى أراضي صالحة للزراعة.
تمكنت البشرية بفضل التقدم الإنساني والحضاري وتطور المدينة والتكنولوجيا، من التغلب على عناصر الطبيعة التي كانت عائق في الازدهار السكاني في العالم، إذ تغلب الانسان على مشكلات المناخ القارص البرودة أو الشديد الحرارة أو العيش في المناطق الصحراوية. وتخطى نسبيًا مشكلة توفير الغذاء عبر تحسين ظروف الزراعة وتعظيم الإنتاج على مختلف أنواع التربة وانتشرت سبل الزراعة في الصوب للتغلب على المناخ وانتشر الري بالتنقيط بهدف تقليل الاعتماد على الماء العذب لتوفير الغذاء. وما زالت مشكلة ندرة المياه العذبة عائق لم يتم التغلب عليه حتى الآن.
لكن بالرغم من التقدم التكنولوجي وتوسع حجم الخدمات التي وفرها التقدم الإنساني، إلا أن قضية السكان تظل مرتبطة بالغذاء والماء، وبعدهما تأتي كل منتجات الحضارة. لذلك فإن قضية السكان الرئيسية والمعيشية والاساسية ترتبط بشكل حاسم بالغذاء والماء، فهما العنصران الذين بهما تستمر الحياة.
يرتبط الغذاء بحجم الأراضي المنزرعة، والتي تستطيع توفير احتياجات السكان من الغذاء، وبالتالي تصبح قضية الأمن الغذائي مرتبطة بحجم الأراضي القابلة للاستزراع ومدى الكفاءة في إدارتها والاستفادة منها.

السؤال هنا: متى تصبح الزيادة السكانية أزمة بقاء ومتى تصبح مشكلة نمو وتنمية؟
تصبح الزيادة السكانية قضية تهديد بقاء عند اختلال التوازن بين وفرة المياه وحجم الإنتاج الغذائي من جانب وحجم احتياجات السكان من جانب آخر، لذلك فإن المجتمعات التي لا توفر لها الطبيعة أراضي صالحة للزراعة أو مصادر مياه مستدامه، تسعى الى رفع كفاءة الاقتصاد الصناعي والانتاج غير الزراعي بغرض تحقيق عوائد اقتصادية تمكنها من استيراد احتياجاته الأساسية من الغذاء من البلدان التي لديها وفرة من الأراضي الزراعية قياسا بحجم سكانها.
تصبح الزيادة السكانية قضية نمو وتنمية عندما تكون زيادة السكان أكبر من النمو الاقتصادي، حيث تصبح المشكلة في قدرة الدولة والمجتمع على تلبيه زيادة الطلب على الغذاء والسلع والخدمات المختلفة.
تتفاقم أزمة التنمية والنمو عندما يعجز المجتمع عن تحقيق النمو الاقتصادي الذي يمكنه من تحقيق تمدد ديمغرافي، توسيع انتشار السكان على الأرض، فعال وتوفير كافة الخدمات كالتعليم والصحة والمرافق العامة، والمقصود هنا بالمرافق العامة هي خدمات الكهرباء ومياه الشرب والصرف الصحي والغاز الطبيعي والاتصالات والنقل، وهي في حقيقتها البنية التحتية للدولة الحديثة والمجتمع الحضاري المتقدم.
في مصر تضاعف السكان ولم يتمدد المجتمع على الخريطة؛ فالسكان تمددوا على الرقعة الزراعية المسئولة عن تحقيق البقاء أو على الأقل تلك الرقعة الزراعية غير القادرة على تلبية كامل احتياجات المجتمع للغذاء. لهذا فإن الدولة المصرية عندما اتجهت لبناء المدن الجديدة، لم يكن ذلك عن ترف مفرط أو خطأ في التقدير. وعندما قررت الاتجاه إلى وقف البناء على الأرض الزراعية لم يكن ذلك ناتج عن رغبة مضايقة السكان. وأن سعى الدولة لتوفير الطلب الحالي على السكن هدفه الرئيسي توفير بيئة طبيعية للتمدد الديمغرافي بعيدًا عن الأرض الزراعية وبهدف تحقيق توزيع عادل للسكان يسمح بالنمو الاقتصادي الطبيعي واستغلال الموارد الاستغلال الأمثل.
هناك سؤال آخر .. كيف استطاعت الصين والهند استيعاب حجم السكان الضخم وهل يمكن مقارنتها بمصر؟
الإجابة لأ .. الهند تمتلك ٦٣ ضعف مصر في حجم الرقعة الزراعية في حين أن عدد سكانها هو ١٣ ضعف مصر والصين تمتلك ٤٨ ضعف الرقعة الزراعية و١٤ ضعف عدد السكان في مصر، ففي حين تمتلك الهند ٦٣٠ مليون فدان والصين ٤٨٠ مليون فدان صالحة للزراعة تمتلك مصر فقط ٩.٨ مليون فدان بعد زيادة مساحتها حتى ٢٠٢٠، يعمل بالزراعية تقريبًا نصف سكان الهند في حين يعمل 300 مليون صيني بالزراعية، فإذا كانت الصين والهند يمثلان تقريبًا 35% من سكان العام .. إلا أنهما ينتجان 50% من انتاج العالم من الأرز و 38% من القمح تقريبًا.
من هذا الأرقام نستطيع أن نؤكد على أمرين مهمين: الأول أن الزيادة السكانية تحتاج الى رقعة زراعية قادرة على تلبيه احتياج السكان، والثاني أن الدول التي لا تحقق لها أراضيها الزراعية الوفرة في الغذاء تتجه للإنتاج غير الزراعي بهدف تحقيق عوائد اقتصادية تستطيع من خلال شراء احتياجاتها من الغذاء. وفى مصر نحتاج الى الحفاظ بكل السبل على رقعتنا الزراعية وتلك قضية غاية في الخطورة وتصل الى حد البقاء وأن نحقق نمو اقتصادي يعتمد على الإنتاج الصناعي بهدف توفير القدرة استكمال احتياجات الغذاء الضرورية، وقبل كل ذلك ترشيد وتقليل القفزات في تعداد السكان فحجم الاقتصاد وحجم الأراضي الزراعية لا يلبي حجم احتياجات السكان الحاليين من الأساس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.