رامي جلال يكتب | الخوف من نقطة حبر

1 619

النقطة صغيرة الحجم لكنها ليست مجرد نقطة! فأي شكل يتكون من خطوط، والنقطة أصل كل خط، وبالتالي فالنقطة منبع كل شكل. وكلنا نرجو أن ندخل الحياة ونخرج منها دون وضع «نقطة سوداء» في سجلاتنا، وإن حدث فإننا نتمنى ألا نكون قد وصلنا لـ «نقطة النهاية» أو «نقطة اللاعودة»، لكي نرجع مرة أخري لـ «نقطة الصفر» باحثين عن «نقطة البداية» لنعبر منها إلى «نقطة الانطلاق» لحياة أخري و«نقطة وصول» جديدة.

النقاط كثيرة لا حصر لها، ففي علم الهندسة الفراغية «النقطة الفراغية» هي نقطة موجودة لكن بدون مساحة أو حجم أو أبعاد! وفي علم الديناميكا الحرارية «النقطة الثلاثية» هي نقطة تواجد المادة نفسها كغاز وسائل وصلب معًا! وفي علم السياسة الدولية «النقطة الشللية» هي نقطة تصيب البشر بالشلل فتجبرهم على التحرك بكرسي ذي عجل، بعد أن يشاهدوا الكيل بأكثر من مكيال في كل القضايا!

في حياتنا أمور كثيرة نختزلها في نقاط، فقسم الشرطة هو «النقطة»، والتنافس الرياضي أصله «النقطة»، ومكان الحرب هو مجرد «نقطة ساخنة». أما في المناقشات فدائمًا توجد «نقطة خلاف» أو «نقطة اتفاق»، أو«نقطة وسط» بينهما.. وصحيح أن النقطة وحدها قد تكون مجرد صفر لا قيمة له، لكن «أصفار قليلة تحل مشاكل كثيرة»، وست نقاط على اليمين تحوّل الإنسان من فقير علي باب الله إلي مليونير علي باب البورصة.

كثيرًا ما تحولت «نقطة نفط» إلى «نقطة فاصلة» وأشعلت «نقطة حدود»، لكن تبقي أغلي نقطة هي «نقطة المياه» ومن أجلها قد تراق «نقطة الدم»، أما أسوأ نقطة فهي «النقطة العمياء» التي قد تتسبب في الكثير من الكوارث.

ودلالات النقاط تختلف من مكان لآخر؛ فالمطر في شوارع القاهرة يسميه أهل الإسكندرية «تنقيط» (نزول أمطار قليلة علي المدينة)، والتحية في أفراح الإسكندرية يسميها أهل القاهرة «تنقيط» (نزول أموال كثيرة علي الراقصة).. والنقاط الصغيرة يمكنها أيضًا تغيير المعاني، فنقطة واحدة تفرق بين «القراء» الذين يشرفوننا بالقراءة مستخدمين عقولهم، وبين «الفراء» الذي يميز الخروف عن الإنسان! ونقطتان تفرقان بين «الغباء» وهو مرض عضال و«الغثاء» وهو من أعراض هذا المرض! وثلاث نقاط تفرق بين «السجون» وما تسببه من «الشجون» الذي سيعاني منه مروجو الاشاعات وناشري الإحباط بين البشر.

لا تستهينوا بالنقطة لأنها بداية كل شيء، وأنظمة عالمية كثيرة تخاف من مجرد «نقطة حبر»، وبعضها وعى الدرس ويريد لتلك النقطة أن ترسم ملامح مستقبل أفضل. ولأنني أخشى أن يقول لي أحد القراء الأعزاء «نقّطنا بسكاتك»، لذلك سأضع نقطة ومن أول السطر!

تعليق 1
  1. رضوان مصطفى يقول

    احسسنت يا استاذنا ..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.