أحمد شحيمط يكتب | الحرية في زمن التفاهة (2-2)
نظام التفاهة كما في تحليل الفيلسوف الكندي ألان دونو لم يترك مجالا إلا وعمل على تفكيكه وخلخلته ، تفكيك العلوم الإنسانية وفصلها عن الفلسفة، والعلوم الموضوعية واستقلاليتها عن الفلسفة، والعلوم الإدراكية كذلك، حتى صار الفكر مدقعا ويتيما وموجها من قبل الثقافة الاستهلاكية، ومن قبل أصحاب التخصص، وجاء الخبير في رسم الممكن والمستحيل كنهج للحياة العملية، من عالم الحقائق وبناء المفاهيم كالحق والعدالة والقانون والعمل والقيمة والحرية نحو لعبة جديدة وأقنعة مغايرة يلبسها الفكر والخبير في رسم معالم العصر، ومن نت
أصبحت السلطة قائمة على المال والجماهير، وطغيان الأغلبية على الأقلية بدافع تشابك المصالح والمنافع، وليس بدافع سياسي، نظام التفاهة وإظهاره في كل مناحي الحياة، في قدرة التافهين على التعرف على تافهين جدد، وخلق قاعدة عريضة تشمل أشكال من التافهين الذين يحاربون فكرة الحرية ودولة الرعاية، ويفككون كل ما يتعلق بالإرادة العامة وسلطة الشعب .
لقد تبوأ التافهون موقع السلطة كما قال ألان دونو في مقدمة كتاب" نظام التفاهة"، تحليل مكثف وعميق لحيثيات العولمة والنظام العالمي الذي يهيمن عليه الأقوياء والمؤسسات المالية. أفكار تجد جذورها في الفكر الماركسي وفي الفكر الغربي بصفة عامة عند فلاسفة معاصرين من أمثال جون بودريار وإدغار موران وميشيل فوكو وبيير بورديو وجاك دريدا ، كل الأحلام التي رسمها الفكر الإنساني في فكرة الحرية والحق والدولة الحديثة باءت بالفشل، انزياح الاقتصاد نحو الانكماش والعجز في الموازنة، واشتعال الحروب الاقتصادية، وبداية تدهور الاقتصاد العالمي والثقافة التي كانت صمام الأمان في وجه تقلبات السياسة وتسطيح العقول، أصبحت تنتج التفاهة من داخل الجامعة، الخبير والتكنوقراط وأصحاب التخصصات وصناعة النجوم، والهاء العالم في مقابل تراجع الفاعل السياسي والمثقف العضوي، خطورة هذا النظام تعميم التفاهة على الكل، غرسها كسلوك وفكر يؤمن بالتفوق والنجاح، وتجدرها في العقل السياسي كبديل عن النجاعة والكفاءة، والتقرب من الشعب بالخطب الرنانة، بحيث ينقاد الشعب لهؤلاء الناس لأنهم يمتلكون القدرة في الإقناع، إنها لعبة محبوكة في كواليس المنظرين للسياسة الدولية وأصحاب النفوذ من الشركات العملاقة، ومن صانعي السياسة الإعلامية، إنها التفاهة التي تصنع عقولا فارغة ونفوسا بدون مشاعر، وتصبح القيم والنماذج الأصيلة التي ناضل الإنسان في تحقيقها، عرضة للانتهاك والضياع، التافهون سيطروا على عالمنا وباتوا يتحكمون في الاقتصاد والتربية والإعلام ، تغلغلوا في مفاصل الدولة، وانتشلوا السلطة من أصحابها، وتربعوا عرشها، ومن هنا بدأ العالم يفقد جودته في إشاعة الحرية الحقيقة، وتنوير الناس بالحقوق والواجبات، والبحث في تحقيق العدالة كإنصاف.
عالم مخيف ومرعب، استبدال السياسة بالحوكمة، فتحولت الدولة إلى مقاولة، لا ترعى المواطن، ولا تكفل كل حقوقه، بل كيان فارغ المضمون، تجيد أطراف معينة اللعب في خدمة مصالحها وتتحول الجماهير إلى ضحايا بدون سند يحمي حريتهم وحقوقهم، وبالتالي ليس الحديث هنا عن الخوف من الحرية حسب إريك فروم بل العكس الخوف على الحرية، التي كانت جوهر قيام الدولة الحديثة، فأصبحنا نعيش في عالم يزداد فيه الأغنياء ثراء، والفقراء بؤسا، وأعتقد أن الصراعات الطبقية مسألة حتمية، والاحتقان السياسي سيعود من جديد وتبدأ شرارة المطالبة بالحرية والحق للواجهة خصوصا في الدول الرأسمالية الكبرى، ومنها انجلترا، وهذا ينسجم مع الطرح الماركسي في عودة الاشتراكية وصراع البورجوازية والبروليتاريا العمالية، حتى القضاء على الملكية الخاصة، وإحلال النظام البديل، أو يمكن أن يجرنا التافهون إلى حروب مدمرة للعالم والوجود البشري، عندما يحكم المال لوحدة، ويقع التحالف بين السياسة والمال في سبيل الحفاظ على امتيازات الطبقة الغنية، وعموما تبدو العلاقة صعبة بين فكرة الحرية كما تبلورت في الفكر السياسي والاجتماعي مع رواد الفكر التعاقدي (توماس هوبس– جون لوك – جون جاك روسو) ، وعند رواد الفكر العقلاني (اسبينوزا – هيجل...) كفكرة مشروعة في التأسيس للمجتمع والدولة على أساس التعاقد وعمل المؤسسات، جوهر الدولة الحرية، وفي عالمنا هناك تهديد واضح للدولة من قبل رجال، لا يحملون من الكفاءة والقدرة في تسيير الدولة إلا الخطاب العام والدهاء في تمرير التفاهة، والتحكم في العقول والأفكار لإعادة تنميط المجتمع وفق ثقافة استهلاكية وإنتاجية، هدفها الربح المادي.
لكي نخرج من شراك التافهين وثقافة التفاهة، لا بد من رسم صورة حالمة لما يمكن تحقيقه في عالم ينشد الرخاء والالتقاء، والزيادة في الديمقراطية، وتثمين فكرة الحرية في الفرد والدولة، حرية الفعل التي تمنح القدرة للإنسان الانخراط الايجابي في بناء مجتمعات دون التقليل من قيمة الحضارات في عملية التلاقح الثقافي للحفاظ على النوع الإنساني، وحرية الدولة في صيانة حقوق الكل دون إفراغها من مضمونها، وأعتقد أن العالم العربي لا زال يكابد أفكار التافهين، وأصحاب النفوذ من الذين لا يملكون التخصص، والخبرة العالية في مجالاتهم، ومن الضروري مواجهة التفاهة في الإعلام والتربية وفي الخطاب السياسي.
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
عدم الإعجاب
0
حب
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
واو
0