ثامر عباس يكتب| مفهوم العنف الاجتماعي
على الرغم من الكم الهائل والتنوع المذهل لأدبيات العلوم السوسيولوجية والانثروبولوجية والسيكولوجية ؛ السياسة والاجتماع والنفس والتاريخ والاقتصاد ، فضلا"عن الثقافة والدين ، التي تصدت لبحث ودراسة ظاهرة (العنف) في المجتمعات البشرية ، وخصوصا"لجهة الكشف عن الأسباب المولدة لها وإماطة اللثام عن الدوافع المحرضة عليها . إلاّ أن واقعة الاختلاف في تعريف ماهيتها والتباين في توصيف دينامياتها ، ستبقى مسائل معلقة وغير محلولة تتضارب حولها الآراء وتتصادم بشأنها التصورات ، انسجاما"مع حقائق ما يحفل به الواقع الاجتما
واللافت حقا"إن بعض المعاجم والموسوعات المعتمدة في هذا المجال تجنبت – ضمن استعراضها الموجز لبعض المفاهيم والمصطلحات المتداولة في حقل العلوم الاجتماعية والإنسانية – الإشارة إلى ما يعنيه العنف (كمفهوم) وما قد يدلل عليه من مضامين مختلفة ، مقصرة تركيز اهتمامها على بعض الجوانب الإجرائية التي تتمظهر من خلالها ظاهرة العنف بين الأفراد والجماعات ، أو عبر صراع الدولة مع مكوناتها الاجتماعية ، فضلا"عن إلماحها المقتضب إلى ما بلورته هذه النظرية أو تلك من أفكار وتصورات حيال طبيعة العنف وماهية الدوافع المسببة له . وكأني بها تحاول النأي بنفسها عن الاحراجات المترتبة على تفضيلها لمفهوم معين دون الآخر ، والتي يمكن أن تساق إليها عندما تتصدى لهذه المهمة الإشكالية . وكمثال على ذلك فانه ومن خلال استعراضنا لمجموعة من المعاجم والموسوعات المتخصصة في العلوم الاجتماعية والإنسانية ، نلاحظ تنوع في الإجابات وتباين في المنظورات وفقا"لما قد تعنيه ظاهرة العنف بالنسبة لها وعلى النحو التالي :
أولا - ورد في معجم العلوم الإنسانية ما نصه (( يتخذ العنف في المجتمعات الإنسانية أشكالا"مختلفة : شكل الحرب (البين تقنية ، بين دولية ، حرب أهلية ، وغزو) ، وشكل الجريمة والأعمال المنحرفة (العاطفية ، السياسية ، الماجنة) ، عنف الدولة (القمع ، التعذيب ، والعزل) ، والشكل الأكثر انتشارا"، مثل المشاجرات والمشاحنات بين الأفراد (إثناء الفرص أو بين اللعب) ، وثمة أعمال عنف خفية (العنف الزوجي، الاغتصاب ، سوء معاملة الأولاد) ، وثمة أعمال قصاص يفرضها السلك الكهنوتي أو الأهل والمربين وأسياد العبيد الآخرين )).
ثانيا"- من ناحيتهم فقد اقتصر واضعوا معجم الاثنولوجيا والانثروبولوجيا على ذكر معنى (العنف المدني) وحسب باعتباره (( ظاهرة تتجلى في المجتمعات الكبرى ، وبالأخص في الأحياء المهمشة – لاسيما تلك التي تعاني من نسبة بطالة مرتفعة – والتي تكاد تتماهى بشكل كلي مع (الضواحي) ... حيث تنطلق تجليات هذا العنف ، من عمليات التخريب إلى مواجهات مع قوى الأمن يمكن أن تتحول إلى شغب يستجلب قمعا"عنيفا")).
ثالثا"- هذا بينما اعتبر معجم الماركسية النقدي انه (( ليس العنف مفهوما"معينا"، انه ممارسة ملازمة للعلاقات الاجتماعية تعبر عن أشكال عديدة تتخذها هذه العلاقات ... إن العنف ليس سوى الوسيلة ، بينما الإفادة الاقتصادية هي الغاية )).
رابعا"- وفي موسوعته المؤلفة من ثلاثة أجزاء أوجز لنا الفيلسوف الفرنسي (أندريه لالاند) تصوراته لظاهرة العنف على النحو التالي ؛ فهو تارة بمعنى (( إلحاق الأذى بنفسه ، ألحق الأذى بطبيعته)) ، وتارة ثانية بمعنى (( الاستعمال غير المشروع أو على الأقل غير القانوني للقوة )) ، وتارة ثالثة بمعنى (( ما يفرض نفسه على كائن ، خلافا"لطبيعته )).
خامسا"- وإذا ما تأملنا المعجم النقدي لعلم الاجتماع ، الذي على الرغم من كونه يعد من أكثر المعاجم توسعا"في شرح ظاهرة العنف ، إلاّ انه يحجم بدوره عن تقديم أي مفهوم محدد يمكن اعتماده وتبنيه . إنما يقترح علينا - بدلا"عن ذلك - الأخذ بنظر الاعتبار مظهران أساسيان للعنف : الأول ذو طابع (فوضوي) ، في حين إن الثاني ذو طابع (مؤسسي) من جهة ، مع الإشارة إلى وجهتا نظر كل من الأطروحة (الهوبزية) و(الماركسية) بشأن دوافع العنف وآليات تحققه . وهكذا (( فالمفهوم الأول يشدد على حالة الفوضى المسبقة التي توجد فيها المجتمعات التي يتطور فيها العنف . أما الثاني فيشير إلى فعالية العنف محددا"أن هذه الفعالية تتعلق بدرجة تنظيم المجموعات التي تعمد إلى استعمال القوة )).
سادسا"- وعلى قدر أهمية موسوعة علم الاجتماع التي حررها مجموعة من العلماء الاجتماعيين بثلاثة أجزاء ، إلاّ أنها لم تنبس ببنت شفة حيال مفهوم العنف باستثناء الإشارة اليتيمة إلى مفهوم (العنف الأسري) الذي يمارسه الرجل ضد المرأة ، ومصطلح (العنف النقابي) المتضمن أشكال الصراع الطبقي بين العمال وأصحاب رأس المال .
وإذا ما اعتبرنا إن تلك المعاجم – برغم كونها أعطت بهذا القدر أو ذاك أفكارا"وتصورات موجزة عما يكونه العنف في إطار التجربة الإنسانية - مقصرة حيال عزوفها عن إيراد أي تعريف يحدد لنا ماهية (مفهوم العنف) ، فان هناك معاجم وموسوعات أخرى أحجمت نهائيا"عن ذكر أي شيء يتعلق بتلك الظاهرة لا من قريب ولا من بعيد ، بحيث يتعذر علينا استيعاب الأسباب المسوغة لهذا العزوف والإحجام الغريب ، لاسيما وأنها تستعرض الظواهر الاجتماعية بمختلف أنماطها السياسية والثقافية والنفسية.
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
عدم الإعجاب
0
حب
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
واو
0