فاضل خليل يكتب | التأليف، المهنة الأسهل في المسرح
إن صعوبة الكتابة للمسرح هي التي جعلت الكتابة فيه واحدة من المشاكل المستعصية. ونادرا ما تجد نصا عربيا استكمل ادواته الابداعية وكان نصا مسرخيا لايحتاج الى تدخل المخرجين. ذلك لان أغلب الذين مارسوا الكتابة للمسرح انطلقوا من وهم استسهالهم في الكتابة فيه، واعتبارهم الخاطئ في أن المسرحية لا تعدو اكثر من حوارية تدخل في باب المحادثة العادية بين شخصين أو أكثر، والمسرح ليس اكثر من وسيلة للترفيه والتسلية. وليست بالعملية الإبداعية ذات المعمار التركيبي المتصاعد. التي لا تتداخل فيها الكتابة، أوتتشابه مع بقية ا
ما تقدم هو جانب من الموضوع، يقابله رأي آخر يقول: ان المسرح ليس اكثر من (المنصة+الممثل+المتفرج+مضمون يتم الاتفاق عليه). وليس شرطا أن يكون النص مسرحية كتبه مؤلف وانما هو اي مضمون مهما كانت بساطته شرط ان يتفق عليه فريق العمل. إذن وانطلاقا من وجهة النظر تلك لا يشكل التأليف عائقا على المسرح، وينتفي معه ما يشاع من ( أرمة النص المسرحي ). من هنا تنشا فكرة سيادة سلطة المخرج في تأليف العرض بما يقترح للنص من البدائل عن نص الكاتب بالاعتماد على أفكار ومضامين سريعة ومقترحة، من افكار يستمدها من خبر صحفي يومي بسيط، او من فكرة طارئة تهم المجتمع الذي يعيش فيه، وغيرها من الافكار البسيطة والمعقدة. من هنا ينطلق المخرج المبدع الى سد النقص في التأليف بتلك البدائل التي تؤدي الغرض من اجل استمرار المسرح. هذه السلطة انما تعني: بأن المخرج هو من يمسك بخيوط اللعبة: مفكرا، ومنظما، وقائدا لفريق العمل، الذي بيده الكثير من الحلول الموصلة إلى التكامل الفني للعرض المسرحي.
ولما كانت التجربة العربية في كتابة النص المسرحي تحاكي التأليف من خارج محيطها ، وهو الأمر الذي أبعدها عن خصوصية الشكل والمضامين ذات النكهة المحلية. ولا نغالي إذا قلنا أنها ظلت زمنا ليس بالقصير أسيرة التقليد الأعمى للتجربة الاجنبية، البعيدة عن هموم الناس. لم ينجو من فخ هذا النوع من التأليف غير القلة النادرة ممن توصلوا إلى تشخيص الخلل بعد ما أدركوا أن منجزهم الإبداعي لن يحصد نجاحه، أو يجد طريقه للنجاح وصولا الى الاهداف السامية المرسومة إلا إذا لامسوا جرح ناسهم بالاجابة عن التساؤلات الهامة في حياتهم، وفي العمل على تخليصهم من مخاوفهم. وفعلا نجح البعض غير القليل منهم في هذا المسعى، فكانت لهم الريادة عندما ثاروا على السائد من تلك المدونات التي كانوا يسمونها من غير وجه حق تأليفا مسرحيا. وهي في الحقيقة ليست اكثر من قفشات ومحاورات همها الأساس إضفاء المرح على سامعيها واعتبرت جزافا نوعا من التأليف. من هنا نتعرف على ان الانطلاقة نحو النص العربي كانت متعثرة ومتعكزة على تجارب الغير. لأنها لم تحمل هموما موضوعية أو فنية في أساليب كتابتها يقربها من الناس اولا ومن المسرح في الاخير.
انها بالتأكيد واحدة من أهم العوامل التي حالت دون ولادة الكاتب الذي نريد. عدى الذين أشرنا إليهم من الذين دخلوا المهنة من داخل المؤسسة المسرحية، أي من غير الطارئين عليها، فمارسوا الكتابة للمسرح عن دراية. وعندما يثار الحديث عن أزمة النص المسرحي ـ وهي غالبا ما تطرح ـ ينبري كتاب المطبوع المركون ديكورا يزين واجهات المكتبات الخاصة والعام، والتي غالبها لم يرى النور على خشبة المسرح، منطلقين في دفاعاتهم: من أن المكتبة العربية تعج بما لذ وطاب من أنواع النصوص المسرحية المطبوعة والمكدسة على الرفوف وحسب الطلب، وفيها من: التأليف، والإعداد، والترجمة، والاقتباس، والتناص، وغير ذلك من المسميات ما يسد حاجة شعب بكثافة الصين. متناسين من أن هذا الكم وهو هائل بالفعل، لا يمت بصلة الى التأليف المسرحي. فالمسرحبة هي التي تعتلي المسرح وليست النصوص الصالحة للقراءة، شأنها في ذلك شأن الرواية، والقصة، والشعر، والحكاية، وما شابه ذلك. أن تبرير المنصفين من الكتاب في عدم استطاعتهم كتابة المسرحية جيدة الصنع يعود إلى انهم لم يتوارثوا كتابتها عن أسلافهم كما هو الحال في تجارب الشعوب الاخرى، مثل التجربة اليونانية التي وهبت كتابها المسرحيين إرثا مثاليا بدأ من سلسلة الكبار الأولين: [ اسخيلوس، سوفوكليس، يوربيدس، وارستوفانيس ] وحتى آخر الكتاب المعاصرين.
وعملا بالدقة التي نتوخاها، لابد لنا أن نذكر من أن هناك كتابا تمكنوا من صنعة الكتابة في المسرح العربي من غير الطارئين عليه. ممن كتبوا نصوصهم وكانوا جزءا من المؤسسة المسرحية. ولم تكن نظرتهم إلى التأليف فوقية، أو انها نوع من ابسط فنون الثقافة، بل نظروا إليها كواحدة من الفنون الواجب دراستها قبل الخوض فيها. فأولوها الاهتمام الذي يليق بها ليجعل من كتاباتهم تدخل إلى مختبر التنفيذ لتجسيدها إخراجيا بكل جدارة. واثبتت جدارتها، لاسيما وقد رافقها من التحليل واعادة التركيب أوصلتها إلى الجمهور بكل صدق وعناية.
الهوامش:
1) محمود نسيم: المسرح العربي والبحث عن الشكل "قراءة للعقل التنظيري"، مجلة(فصول)، عدد ممتاز، المجلد الرابع عشر، العدد الأول،ربيع 1995، اصدر الهيئة المصرية العامة.
2) جورج برناردشو : تعليمات شو إلى المخرجين ، مجلة فنون المسرح ، العدد الثامن ، القاهرة 1949.
**) انعقد مهرجان الأمم في بلغاريا ـ صوفيا في العام 1982.
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
عدم الإعجاب
0
حب
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
واو
0