فهد المضحكي يكتب | العلاقة بين الثقافة والتعليم (1 – 2)
قبل عقود قليلة، كانت أنظمة التعليم في بلادنا العربية تحمل عنوان (وزارة المعارف) وكان جُل النشاطات الثقافية يخرج من المدارس والجامعات، كما كان أغلب قادة التربويين هم في ذات الوقت من قيادات الفكر والثقافة في مجتمعاتهم، والأمثلة عديدة، فعلي مبارك وطه حسين ومحمد عبده في مصر، وشبلي شميل وسليم البستاني في لبنان... وفي سوريا، د.شاكر مصطفي عبدالله عبدالدايم، كانوا رجال تربية وتعليم وكانوا قادة فكر وإبداع ثم جد زمان دوله الاستقلال وقيام الحكومات الوطنية على امتداد رقعة الدول العربية وطرحت مشروعات التنمية
وإذا كان هناك أسباب عديدة للضعف الواضح لقدرات مخرجاتنا التعليمية - الطابع البيروقراطي لإدارة العملية التعليمية، جمود المناهج التعليمية، أساليب التدريس والتقويم القائمة على الحفظ والتلقين وعدم الخروج عن النص - فإن مقدمة تلك الأسباب أن نظام التعليم منذ عقود في أغلب الدول العربية قد أبعد الثقافة بكل فروعها عن المدرسة والمعهد والجامعة. ومن ثم تراكم قطاع واسع من المتعلمين كخريجين أصبحوا بؤرة لإعادة إنتاج تخلفنا الثقافي. وقد أصبحنا نجد أنفسنا، بعد عشرات السنين من خطط التنمية وممارسة الإصلاح التربوي - والتي صورنا لأنفسنا أنها متقدمة بينما شكلت في حقيقتها نقلًا آليًا وتجزيئيًا لممارسات إصلاح تربوي لبلدان وبيئات أخرى تختلف من الثقافة ونسبة التطور عن واقع مجتمعاتنا العربية - نزداد تخلفًا عن إيقاع الحياة ومتغيراتها من حولنا، في كل النواحي. فالسيادة انعقدت بشكل متزايد لعدم الانضباط، والاستخفاف بالقوانين، وتفكك العلاقات الاجتماعية، وهشاشة بناء المجتمع المدني، وتنامي النزاعات القبلية والطائفية والعرقية. حتى المجتمعات العربية التي توافرت فيها أحزاب علنية أصبحت بعض هذه الاحزاب تمارس الاختلاف بشراسة متزايدة وتتبنى ممارسات أكثر تعسفًا في عدم قبول كل منها للآخر. ولاريب في أن في مقدمة أسباب ذلك كله هذا النهج السائد في إبعاد التنمية الثقافية عن بناء الإنسان في مراحل تعليمه الأساسي، وهو ما أدى أيضا، بالمقابل إلى المزيد من تدهور الوضع الثقافي بعامة في عالمنا العربي، إذ تراجع الكتاب ودوره في البناء التربوي، وضاقت الحرية أمام المسرح والموسيقى والسينما والفنون الأخرى كلها مع زيادة السكان وتنامي أعداد الجماهير المتلقية التي تربطها بالثقافة وإبداعاتها وتأثيراتها الحقة أوهى الصلات. فنمت في أوساطها بالمقابل قيم التقليد الأجوف لكل ما هو أجنبي وتسيّدت عادات الارتجال والخفة واللامبالاة في مواجهة أمور الحياة ومتطلباتها الآنية والمستقبلية.
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
عدم الإعجاب
0
حب
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
واو
0