محمد الصعيدي يكتب | على أبواب رفح تذكرنا خطاياكم
ولدت لأب من المؤسسة العسكرية المصرية، ضابط طيار مقاتلات. أمضى سنين شبابه طيار مصري حامٍ لسماء الوطن. يحلق مدافعا عن أهل بلده الكرام، ضد العدو الأول في عقيدة كل مواطن مصري، العدو الصهيوني المغتصب للأرض، قاتل الأطفال الأبرياء في بحر البقر، العدو الذي انتهك كل المعاهدات الدولية والإنسانية في حروبه، عدو لا كرامة له، يختبئ تحت الآلة العسكرية الغربية، التي وضعته في منطقتنا لخدمة أجندتها الاستعمارية متعددة الأشكال، ومحركا ومحفزا أساسيا للصناعة الأمريكية الأكثر ربحية، صناعة الأسلحة، حيث القتل وال
عشقي لمصر وترابها كان وسيظل ايماناً راسخ أفخر به. منذ طفولتي كنت أنتظر يوم السادس من أكتوبر لأسجل الأفلام الحربية على شرائط الفيديو وأعاود مشاهداتها مرارا، وتدمع عيناي من شدة الفخر على أنغام "رايحين معانا سلاح، وراجعين في إيدنا النصر"، وترتجف أطرافي عند سماع خطاب النصر من الرئيس البطل الشهيد (محمد أنور السادات). وُلعْتُ بصلاح الدين ومسعاه لتحرير القدس وإرساء قواعد العدل بين كل سكان المدينة المقدسة، باختلاف دياناتهم وجنسياتهم.
اعتدت إن تجمعنا باسرائيل الحرب، لكن تفرقنا عنهم قيم الكرامة والضمير، فنحن لا نحارب إلا إذا تم الاعتداء علينا، وإذا حاربنا لا نقتل طفلاً ولا نحرق شجرة، فمصر فجر الضمير الإنساني وجذوره الأولى.
عندما سُئلت عن طموحي وأنا طفل، كان ردي مختلفًا بعض الشيء عن الآخرين، رد ارساه داخل قلبي حماسة أبي، وعمق تفكير أمي التي طالما رددت: أنك من يتعين أن يفاوض إسرائيل، لشعورها بقدرتي على الجدل والتفاوض. كنت أحلم بأنني أمشي على ضفاف النيل حاملاً شعار تحرير فلسطين، ينضم إليّ عشرة آلاف مصري، حيث كان هذا الرقم كبيرا للغاية في مخيلة طفل، لم تزد سنوات عمره عن أصابع يديه. حلمت أن أفاوضهم لأنتزع حقوق الشعب الفلسطيني لأصبح امتدادا لوالدي والسادات وصلاح الدين. كبرت وزادت سنوات العمر فكانت "آفة حارتنا النسيان" كما قالها الأستاذ المبدع نجيب محفوظ.
تعلمت في مدارس دولية، وأكملت دراستي في الولايات المتحدة الأمريكية، والتقيت ببعضهم هناك، شعرت بأننا البشر جميعا يمكن أن تظللنا الإنسانية الرحبة، حيث التواصل لا التقاتل، هدأت قناعاتي القومية، ونمت الأفكار العلمانية المحفزة للفردية، و للتنمية، والرخاء، ونبذ كل أشكال العنف.
لمست بمرور سنوات الصراع بذل الدولة الإسرائيلية وحلفائها جهودا حثيثة للاندماج في السياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي على مستوى منطقة الشرق الأوسط، بإصرار ودأب. بمرور الوقت، لم تعد هناك كراهية داخلي لهذا الكيان الطموح، خاصة مع ملاحظة تمتعه بالتوازن السياسي، ودعمه للأهداف المصرية في المحافل الدولية. فالحرب في النهاية ليست إلا موتا ودمارا ولا مفر من السلام. وتشجيع ودعم مسيرة التنمية في الدولة المصرية واستقرارها.
نجحت إسرائيل ــ مع الوقت ــ في أصعب المعارك على الإطلاق، معركة تغيير الوعي وتذليل العزائم. أبعدت الخوف من قلوبنا، لكن ظل توجسا ما.
وبعد سنوات من السلام والتوافق مع جميع الأطراف العربية، ذات الثقل السياسي مثل: مصر والأردن والإمارات والبحرين، ومع السلطة الفلسطينية ذاتها، تغلّب على القائمين على الدولة الإسرائيلية جانبهم الدموي الاستعلائي.
لعل الجميع الآن يتساءل: لماذا كل هذه المغالاة في القتال والخصومة؟ فالرد الإسرائيلي على عملية طوفان الأقصى يتعدى كل الأعراف الدولية، لماذا قتل كل هذه الآلاف من الأبرياء، وتدمير المستشفيات وتصفية العناصر الطبية والصحفية، تدمير المدارس والجامعات والمخابز، لماذا تهدم كل ما هو مقدس وآمن في أرض وعدها الله بالسلام؟
لقد بات بديهيا أن القتل هو هدف إسرائيل الأساسي، لإنهاء حياة كل من له حق في الأرض، أو تهجيره عنها، واستبعاد، بل نفي ما تبقى له من حقوق العيش الآمن على أرضه. إنهاء القضية الفلسطينية أول غاياتهم، وبعدها مباشرة ستطل أساطيرهم الموعودة نحو النيل وأرض مصر.
استيقظت فظائعهم ومعاركهم مرة أخرى في الذاكرة والنفوس، تاريخهم الأسود وحاضرهم، ودمروا بما فعلوه بإخواننا في غزة مساعيهم الماضية لتحسين صورتهم كدولة في عين كل إنسان حر في هذا العالم غير العادل. ولذا سأظل أنا وجيلي نعي وندرك أن لدينا عدوًا دمويًا وأنانيا، ونعلم أطفالنا أن هناك عدوا يتربص بهم جهة الشرق، من بعد جبل موسى. وأن لهذا العدو بجانب شن الحروب التي بلا اخلاق أساليب حرب خبيثة، تتجسد في تدمير البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمصريين والعرب. ولذا يتعين علينا أن نكون أقوياء، ذوي مكانة عسكرية قوية ومحدثة دائما، نحرص على التنمية والكفاية الاقتصادية، مكانة متطورة علميا ومعرفيا، تواصل فعال مع العالم حولنا حتي نوضح اهدافنا و دوافعنا.
تحيا مصر الضمير، يحيا شعب مصر الكريم، تحيا فلسطين حرة ومستقلة ويحيا أهلها، أهل الكرامة والعزة.
ما هو رد فعلك؟
أعجبني
0
عدم الإعجاب
0
حب
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
واو
0