إيمان طلعت تكتب | المجالس المحلية.. الغائب الحاضر

0

تعد المجالس المحلية الشق المنتخب الأصيل في جسد الإدارة المحلية، والتي نفتقد وجودها منذ عام 2011. هذا الغياب الطويل كان له أثر مباشر وملموس على المواطن المصري؛ حيث غاب الدور الرقابي على المحليات، وتعطلت آليات حل المشكلات اليومية بدءاً من القرية والنجع وصولاً للمدينة. كما ترتب على ذلك إلقاء عبء الخدمات الثقيل على كاهل نواب البرلمان والشيوخ، مما استنزف جهودهم بعيداً عن دورهم الأساسي في التشريع والرقابة ودراسة الأثر التشريعي.
إننا اليوم في حاجة ماسة لعودة هذه المجالس للقيام بدورها، وننتظر بشغف خروج “قانون الإدارة المحلية” الجديد للنور، شريطة أن يكون متوافقاً تماماً مع أحكام الدستور.
إشكالية المادة 180 ونظام الانتخاب
طبقاً للمادة (180) من الدستور الحالي، تُنتخب كل وحدة محلية بالاقتراع العام السري المباشر، وهذا يعني عدم وجود “تعيين” في المجالس المحلية؛ فالمسار الوحيد هو الانتخاب، ويترك للقانون تنظيم النظام الانتخابي (سواء فردي، قائمة مطلقة، نسبية، أو نظام مختلط).
وهنا يبرز التساؤل الأهم: أي الأنظمة أنسب لتطبيق نص الدستور؟
خاصة وأن المادة اشترطت حصصاً محددة (كوتة) في كل وحدة محلية:
* 50% عمال وفلاحين.
* 25% شباب (من سن 21 حتى 35 سنة).
* 25% مرأة.
* مع تمثيل مناسب لذوي الإعاقة والمسيحيين.
تحديات التطبيق على أرض الواقع
إذا أخذنا مثالاً (قرية س) وكان مجلسها يضم 24 عضواً، فلا بد من وجود 12 عاملاً وفلاحاً، و6 شباب، و6 سيدات، متضمناً ذلك تمثيلاً للمسيحيين وذوي الإعاقة. هذا التقسيم يجب أن يُطبق على كافة المستويات (قرية، مركز، مدينة، حي، محافظة).
ولكن، تظهر أمام المشرع عقبات فنية واجتماعية تستوجب التدقيق:
* تباين المستويات الإدارية: هناك محافظات تضم كافة المستويات (مثل أسيوط)، وأخرى تقتصر على مستويين فقط (مثل القاهرة التي تتكون من أحياء ومحافظة فقط).
* أزمة الصفات: ماذا لو كانت هناك قرية تخلو من المواطنين المسيحيين؟ أو حي حضري بالكامل لا يوجد فيه “فلاح” لعدم وجود رقعة زراعية؟
* معضلة الفئات الأخرى: سن الشباب ينتهي عند 35 عاماً، فكيف يمكن للطبيب أو المحامي أو المهندس الذي تخطى هذا السن وليس “عاملاً أو فلاحاً” أن يجد مكاناً للترشح؟ هل نلجأ لتوسيع تعريف صفة “العامل”؟ وهل من المقبول قانوناً وجود “ازدواجية” في تعريف العامل بين انتخابات المحليات وانتخابات البرلمان؟
تأهيل الكوادر: جيل لم يعاصر المحليات
أخيراً، هل لدينا كوادر مؤهلة من الشباب والمرأة لخوض هذه التجربة؟ هذا التساؤل ليس تقليلاً من طاقات مصر الولادة، ولكنها “واقعية” تفرضها الأرقام؛ فالشاب الذي يبلغ الآن 21 عاماً كان طفلاً في السادسة حين حُلّت آخر مجالس محلية في 2011، أي أنه لم يعاصر أو يشاهد ممارسة محلية فعلية طوال حياته الواعية.
هذا الطرح يفتح باباً واسعاً للنقاش.. وفي المرات القادمة، سنبحر في تفاصيل كل نقطة ذكرناها لنصل إلى رؤية متكاملة لعودة الروح للإدارة المحلية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.