جواد الخميسي يكتب | الشطرنج.. ذكاء عمره 15 قرن (1-2)

0

للعبة الشطرنج تاريخ عريق ومثير للاهتمام يمتد لأكثر من 1500 عام . وعلى مر القرون، ظهرت مئات من نماذج الشطرنج المختلفة، جميعها تُجسّد السمة الأساسية المُميّزة للشطرنج بشكل عام وهي؛ التفرّد الواضح لأنواع مختلفة من القطع ذات الأدوار والحركات المختلفة ، ليُتلاعب بها طرفي المباراة بشكلٍ مُشترك لتحقيق الهدف الأسمى، وهو حصار ملك الخصم .
بعض هذه الألعاب مثل ” شيانگچي (لعبة صينية)، وشوجي ( لعبة يابانية)، وجانگي ( لعبة كورية)، وماكروك ( لعبة تايلندية) ” والتي لا تزال جميعها تحظى بشعبية كبيرة في أنحاء كثيرة من العالم وخاصة في آسيا، بينما اقتصر اللعب بنماذج أخرى مثل؛ شطرنج الساعي ( مورس في القرن الثاني عشر الميلادي في ألمانيا) أو شطرنج تيمورلنگ ( نموذج مطوّر من بلاد فارس مارسه تيمورلنگ) ؛ عادة على مختصّي اللعبة. لكن جميعها تشهد على التنوع الملحوظ الذي أحدثته لعبة “الشطرنج” على مر السنين، مما يُقدم دليلاً ملموساً على أن الألعاب التي نلعبها غالباً ما تكون انعكاساً هامّاً لقيمنا المجتمعية.

الأصول الهندية
يتفق المؤرخون على أن الشطرنج نشأ في شمال الهند خلال القرن الخامس الميلادي أو قبله بقليل. وكانت بداية اللعبة على لوح غير مرّقع أُطلق عليه ” أشتاپادا ” ، وقد صُمم اللوح بوضوح كمحاكاة لساحة حرب . واللعبة أُطلق عليها “چاتورانگا ” ومعناها الحرفي”ذات الأطراف الأربعة”، وهو مصطلح سنسكريتي للجيش الهندي القديم المكوّن من أربعة عناصر: المشاة، والفيلة، والفرسان، والعربات. وهذه القوى الأربع ؛ أُضيف اليها الملك ووزيره. وكان هدف اللعبة هو محاصرة ملك الخصم .
لا يوجد سوى عدد قليل جداً من الإشارات الواضحة إلى اللعبة في الأدب الهندي المبكر،إذ تم التعرّف عليها من خلال مقطع من “هارشاچريتا”، أو مدوّنة “هارشا”؛ وهي سيرة ذاتية للملك الهندي الشمالي ” هارشا ڤاردانا” كتبها الشاعر السنسكريتي “بانابهاتا”، الذي قضى سنوات عديدة في قصره.
اشتهرت مملكة هارشا في كل مكان بأنها ملاذ للتسامح والسلام والحكم الرشيد، وقد استقطب قصرها العديد من الفنانين والكتّاب البارزين، مثل “بانا”، بالإضافة إلى العديد من الرحّالة الأجانب بمن فيهم العالم الصيني “شوانزانگ” في القرن السابع الميلادي . وفي إشادته المتوهجة بمناخ مملكة هارشا السلمي الفريد، يستحضر بانا سلسلة من الاستعارات الحية، مثل ذلك المقطع: “لا يتشاجر إلا النحل (الأشتاپادا) في جمع الندى (الاستحقاقات)” ، وقبل أن يختتم قوله بشكل واضح :”فقط الأشتاپادات تعرف مكانة الچاتورانگا … ” (موراي،ص 60). وكانت هذه أول إشارة معروفة عن الشطرنج كبديل للحرب، إن لم يكن تمريناً لحرب حقيقية.

بلاد فارس الساسانية
من الهند، انتشرت لعبة الچاتورانگا غرباً إلى الإمبراطورية الساسانية ، وأصبح تسميتها في الفارسية “چاتورانگ “. وتشير العديد من نصوص فارسية وسيطة صراحة إلى الچاتورانگ كإحدى المهارات الأساسية التي يجب اكتسابها من قبل كبار الإقطاعيين الساسانيين كجزء من نشاطاتهم وثقافتهم العامة . لكن أبرز سجل تاريخي أدبي يتعلق بالشطرنج من تلك الحقبة هو قصة” شرح لعبتي الشطرنج والطاولة” ، التي تروى عن الملك الساساني ” كسرى الأول” (عام 531-579 ميلادي) عندما تحدى ملكاً هندياً في نوع من المبارزة الفكرية. إذ يُريه الملك الهندي 32 قطعة زمرّد وياقوت ثمينة جداً، ويخبره فيما إذا كان كسرى ذكياً وحكيماً في فهم قواعد الچاتورانگ بسرعة . فإن نجح ؛ سوف يدفع الملك الهندي الإتاوة المستحقة، وإذا فشل، يدفعها كسرى بدلاً عنه.
كما يبدو كان الملك الفارسي مترددأً في اللعب حتى دخل مستشاره لينقذ الموقف بتشجيعه (غشّشه)؛ معلناً ليس فقط انتصار الملك بفهم قواعد هذه اللعبة الجديدة فحسب؛ بل أنه سوف يبتكر أيضاً لعبة أخرى لن يتمكن الهنود من الفوز بها !
وحسب الرواية الفارسية ، كان الملك كسرى الأول قد فاز على منافسه الهندي ثلاث مرّات متتالية في تلك المباراة ، ثم يُقدّم له لعبة الطاولة الجديدة التي يُطلق عليها الفرس اسم ” النرد ” نسبة إلى الملك أردشير الأول (عام 180 ـ 242 ميلادي)، مؤسس السلالة الساسانية ، فيُصاب الهنود بخيبة أمل عارمة !
ومن ذلك النص الفارسي الوسيط ، نتعرّف على أسماء القطع المختلفة من الچاتورانگ الساساني :
ـ شاه shah أو الملك .
ـ فارزن farzin أو الوزير (نظير الملكة حديثاً) .
ـ پيل pil أو الـ فيل ( نظير الكاهن حديثاً) .
ـ آسپ asp أو الحصان (نظير الفارس حديثاً) .
ـ رُخ rukh أو العربة ( نظير القلعة حديثاً) .
ـ پياده piyadah أو الجندي المشاة ( نظير البيدق حديثاً) .
وللأسف، لا نعرف شيئاً محدداً عن كيفية تحرك تلك القطع أو قواعد اللعبة الحقيقية. ولكن مهما كانت طريقة لعب الفرس القدماء للچاتورانگ ، فقد أصبحت لغتهم جزءاً لا يتجزأ من اللعبة، حتى أن الصرخة الفارسية ” شاه مات ” (الملك عاجز) تحولت في النهاية إلى “كش ملك” في اللعبة الحديثة.

العالم الإسلامي
مع الغزو العربي الإسلامي للإمبراطورية الساسانية في منتصف القرن السابع الميلادي، انتقلت لعبة الشطرنج سريعاً إلى العالم الإسلامي والتي عُرفت فيما بعد بـ ” الشطرنج” ، وقد أُستبدلت معظم أسماء قطعها من الفارسية الى العربية.
مع تزايد شعبية الشطرنج بشكل مطرّد في عهد الخلافة الأموية (عام661-750 ميلادي)، تحولت أشكال القطع تدريجياً من النقوش التجريدية إلى الأشكال الصورية الأكثر توحيداً في زمن من القرن الثامن الميلادي، وهو ما كان على الأرجح إشارة للطلب المتزايد على مجموعات الشطرنج الجاهزة .
مع حلول الخلافة العباسية محل الأموية عام 750 ميلادي ، ازدادت شعبية الشطرنج بشكل ملحوظ. ويزخر الأدب العربي في ذلك الوقت بقصص لاعبين محترفين في وقت مبكر (لعب العديد منهم وهم معصوبي الأعين). وفي القرنين التاسع والعاشر الميلاديين، ازدهرت اللعبة بشكل ملحوظ من خلال قصص مباراة شهيرة لأساتذة شطرنج بارعين مثل؛ العادلي والرازي والصولي واللجلاج، وجابر الكوفي والربراب، وجميعهم ألّفوا كتباً عن الشطرنج تم إعادة نسخها باستمرار على مرّ قرون . ومن هذه الكتب، عُرفت حركة القطع وقواعد اللعبة الأساسية. غير أن كتب الشطرنج المبكرة تلك لم تقتصر على شرح قواعد الشطرنج فحسب، بل كانت مليئة بخطط شطرنج بارعة مطلوب اكمالها الى النهاية، تُعرف باسم “المناصبات” ، لمساعدة الهواة الراغبين في إتقان التعقيدات التكتيكية والاستراتيجية العديدة لخطط الشطرنج.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.