جواد الخميس يكتب | الشطرنج.. ذكاء عمره 15 قرن (2-2)

0

الشطرنج.. ذكاء عمره 15 قرن (2-2)
جواد الخميسي

من المعتقد غالباً أن لعبة الشطرنج قد اخترقت أوروبا عند نقاط تقاطع مختلفة بين العالمين الإسلامي والمسيحي، وخاصة إيطاليا وإسبانيا، في تاريخ لا يتعدّى أوائل القرن العاشر الميلادي ( وربما قبل ذلك بكثير) حيث انتشرت بسرعة وعلى نطاق واسع .
مع دخول اللعبة إلى أوروبا، بدأ شكل القطع يتغير أيضاً، متحولاً من الشكل التجريدي إلى الشكل الرمزي ، مع وجود نماذج رائعة للجمع المبتكر بين الاثنين . ومع إبتكار ما يسمى بقطع شطرنج شارلمان في جنوب إيطاليا في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، عادت الأشكال التصويرية بقوة؛ حيث أصبحت الملكة مقررة ضمن قواعد اللعبة بدلاً من الوزير ، لكن العربة ( الرخ) والفيل القديمين يبقيان دون تغيير. واستمرار التعبير عن الملكات والملوك والأحصنة بطريقة تصويرية؛ تم استبدال الفيل بطريقة ما بالساعي ( الكاهن)، بينما بدا الرخ أكثر مرونة، كما هو موضح من خلال أحجار الشطرنج الشهيرة “المحاربون المتحمسون” في الأساطير الإسكندنافية، والتي تم ابتكارها في الجزء الأخير من القرن الثاني عشر الميلادي في مقاطعة تروندهايم ،حيث اكتسبت اللعبة نفسها شعبية متزايدة. وعندما ظهر كتاب الألعاب الشهير لـ ألفونسو العاشر ملك قشتالة (عام 1252 ـ 1284 ميلادي) في أواخر القرن الثالث عشر، مُنح الشطرنج مكانة بارزة باعتبارها “لعبة أنبل وأشرف من النرد أو الطاولة”، حيث تعني كلمة “چَس chess ” في هذه الحالة ببساطة ” الشطرنج”. واستدّل كتاب ألفونسو بالعديد من المناصبات العربية . والأمر الأكثر أهمية هو أن المصطلحات الرمزية للشطرنج بدأت تظهر بشكل متزايد في مجموعة واسعة من أدبيات القرون الوسطى .

من عصر النهضة إلى عصر التنوير
في مرحلة ما من أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، شهدت قواعد الشطرنج تغييراً جذرياً، حيث أصبح الكاهن ( الفيل) يتحرك إلى أي مربع حر على طول خط قطري مفتوح، بينما تحولت الملكة فجأةً إلى أقوى قطعة في الرقعة، وذلك بحركة جمعت بين القلعة ( الرُخ) والكاهن . وانتشر هذا النمط الجديد من اللعبة المعروف باسم “شطرنج الملكة” أو حتى “شطرنج المهووس” بسرعة في جميع أنحاء أوروبا، ليحل محل سابقه الأبطأ بكثير، والذي يعود تاريخه إلى ألف عام، في غضون جيل أو جيلين فقط .
ومع بدء دراسة قواعد اللعبة الجديدة بدقة واهتمام؛ ظهر لاعبون خبراء على نحو متوافق اتقنوها على نحو مشهور: مثل روي لوپيز، و پاولو بوي، وجيوڤاني ليوناردو دا كوتري، وجيواچينو گريكو، أساتذة الشطرنج المشهورون دولياً الذين كتبوا الكتب و أبهروا الأمراء والملوك في جميع أنحاء المدن الأوروبية الكبرى بطريقة لعبهم الرائع .
طالما كان الشطرنج ولا يزال مرتبطاً في كثير من الأحيان مع روح التحدي والمثابرة؛ تحول التركيز بشكل خفي من استخدامه في القرون الوسطى كبديل لمجتمع متألق إلى إشادات وتوصيفات للعبة نفسها، بدءاً من قصيدة ” سكاچ دامور ـ شطرنج الحب” التي تعود إلى أواخر القرن الخامس عشر الميلادي ، والتي هي عبارة عن 64 مقطعاً تصف مغازلة كوكب الزهرة لكوكب المريخ من خلال لعبة الشطرنج حسب القواعد الجديدة. وتبع ذلك بعد فترة وجيزة قصيدة الشاعر ماركو جيرولامو ڤيدا اللاتينية المؤثرة ” لعبة الشطرنج”. في هذه القصيدة ألهمت اللعبة الجديدة ظهور أسطورة المنافسة بين كوكب أپولو وكوكب عطارد على جبل أوليمپس . وبعد أكثر من 200 عام، ألهمت الشاعر الانگليزي ويليام جونز في قصيدة تحمل نفس العنوان ” لعبة الشطرنج”، حيث جعل” كيسا” إلهةً للشطرنج . واستمر استخدام صور الشطرنج للتعبيرعن طيف واسع من المواضيع؛ لكن شيئاً ما تغّير؛ فقد ازداد تقدير واهتمام الممارسة بلعب الشطرنج ، وهو شيء يُمكن اكتسابه من خلال الدراسة المتأنية والتركيز العميق، والتي في النهاية أصبحت حرفة متخصصة بدلاً من كونها استعارة تعكس اهتمامات مجتمعية أوسع .
عندما نُشر كتاب بالداسار كاستيگليوني “كتاب المستشار” في أوائل القرن السادس عشر الميلادي، تم الاعتراف صراحة بأن الكفاءة في لعبة الشطرنج الجديدة تتطلب “قدراً كبيراً من الدراسة كما لو كان الشخص يتعلم بعض العلوم النبيلة أو يفعل أي شيء آخر مهم”، مما دفع أحد الشخصيات إلى استنتاج أنه عندما يتعلق الأمر بالشطرنج، فإن “الوسطية أكثر استحقاقاً للثناء من التميز “، وهو الشعور الذي تردد صداه بنقد لاذع بعد حوالي 50 عاماً من قبل ميشيل دي مونتين، الذي تبدو تنديداته المريرة بالوقت الضائع المطلوب لتطوير الخبرة في مثل هذه اللعبة الصبيانية؛ مشوباً بوضوح بإحساس خيبة الأمل الشخصية ! (موراي، ص108) .
بحلول مطلع القرن الثامن عشر الميلادي، اكتسبت لعبة الشطرنج، بفضل تطورها الشامل والمعترف به عالمياً، صدىً خاصاً مع بزوغ عصر النهضة. وفي أعقاب أفكار نيوتن المُبهرة ، اقتنع الكثيرون بإمكانية معالجة جميع مشاكلنا على نحو مماثل من خلال مزيج محايد من العقل والمعرفة. وقد تجسّدت هذه الرؤية بوضوح من خلال مشروع الموسوعة الضخمة التي وضعها كلاً من دينيس ديدرو (عام 1713-1784 م) وجان باپتيست لورون دالامبر (عام 1717-1783 م)، اللذان سعيا إلى إرساء أساس للمعرفة الإنسانية جمعاء في عمل واحد، بهدف تهيئة الظروف المناسبة لحضارة علمية قائمة على العقلانية تُخرجنا من ظلمات الخرافات والخوف إلى الرُقي والنور. إلا أن آخرين، مثل جان جاك روسو (عام 1712-1778م)، عارضوا هذا الرأي بشدة، زاعماً في أننا بتقييد أنفسنا دون داع بما يُسمى “قوانين الحضارة”، قد نصبح في النهاية غير طبيعيين وتعساء وربما حتى أشرار!.
وما يثير الاهتمام بشكل خاص في مقالنا هذا؛ هو أن كلتا وجهتي النظر التي إحداها تتماشى تماماً مع صرامة العلم والتكنولوجيا القائمة، والأخرى مع التأكيد الروحي للقوى الإبداعية للعاطفة والرغبة البشرية، والاثنتين قد تداخلتا بقوة مع الشطرنج منذ بدايته. وجان جاك روسو هو لاعب شطرنج متمرّس، وكان مع ديدرو من روّاد مقهى “لا ريجينس” في باريس التي هي مركز عالم الشطرنج وموطن فيليدور البارع في اللعبة ، حيث ورد اسمه الصريح في حوار ديدرو الفلسفي الواسع ” ابن شقيق رامو”، الذي تدور أحداثه في ذلك المقهى تحديداً.
في تلك الأثناء، بدأ علماء رياضيات محترفون بدراسة مسائل متعلقة بالشطرنج، مثل “صولة الفارس (صولة الحصان)”، سعياً لإيجاد طريقة تمكن الحصان من التحرك مباشرةً إلى جميع مربعات رقعة الشطرنج الـ 64 . وقد عُولج هذا اللغز صراحةً في مخطوطات الشطرنج العربية القديمة، بالإضافة إلى بعض الطروحات الرياضية الهندية، قبل أن يُعاد اكتشافه في القرن الثامن عشر الميلادي على يد علماء رياضيات فرنسيين تجاهلوا تماماً تلك المجهودات السابقة. وفي النهاية، تُرك الأمر لعالم الرياضيات السويسري الشهير ليونارد أويلر (عام 1707-1783م) لإجراء دراسة دقيقة عن هذه الإشكالية، والتي قدمها إلى أكاديمية العلوم في برلين عام 1759م .

القرن التاسع عشر الميلادي
لعلّ أكبر بوادر التأثير العلمي المستقبلي للشطرنج قد برز من خلال شيء لم يكن علماً في الواقع، ويُسمى”التركي الميكانيكي”أو “لاعب الشطرنج العثماني”، وهي آلة لعب شطرنج صممها ولفگانگ ڤون كيمپلين (عام 1734-1804م)، حيث يختبئ في داخلها لاعباً بشرياً ماهراً للغاية في لعبة الشطرنج. وقد جاب هذا التركي ملاعب أوروبا لعقود، ولعب ضد نخبة من أشهر شخصيات العالم، متغلباً على كلٍّ من بنيامين فرانكلين (عام 1706-1790 م) وناپليون بوناپرت (عام 1769-1821م).
في عام 1820م ، هزم چارلز باباج الرائد في علم الحاسوب و العالم الإنگليزي الموسوعي البالغ من العمر 28 عاماً ذلك الروبوت المزيّف. ولطالما كان باباج مفتوناً بالاجهزة الآلية، لذا بدا متأكداً تماماً من أن الروبوت التركي يتحكم به إنسان. وأن تلك التجربة قد أثارت اهتمامه المتزايد بتطوير أجهزة حسابية ميكانيكية تعتمد على محرّكه التحليلي الريادي .
في غضون ذلك، استمرت مهارات أفضل لاعبي الشطرنج في العالم بالتطور. فقد ظهر پول مورفي في خمسينيات القرن التاسع عشر، الذي تفوقت موهبته على فيليدور الذي جاء إلى أمريكا. كما هزم مورفي تقريباً جميع اللاعبين الذين نافسهم، وأبهر الجميع بأسلوب لعبه الناجح والمُتقن. وجاء بعد مورفي المحترف البارع البوهيمي ـ النمساوي ويليام شتاينتز، الذي عُرف بأنه أول “بطل عالمي في الشطرنج” بعد 15 عاماً من نشر عالم الرياضيات لويس كارول (عام 1832-1898 م) من أكسفورد، كتابه ” عبر المرآة، وما وجدته أليس هناك ؟” ، وهي رواية مستوحاة من لعبة الشطرنج .

العصر الحديث
طوال القرن العشرين وما بعده، ازدهر دور الشطرنج بشكل كبير باعتباره “الذبابة العلمية” في مجموعة واسعة من المجالات، ابتداءً من علم النفس واللغويات إلى نظرية الألعاب ، بقيادة بعض من أعظم الأسماء في مجالاتهم (ألفريد بينيه، إرنست زيرميلو، فرديناند دي سوسير).
في أعلى مستويات المنافسة الدولية، هزم إيمانويل لاسكر (عام 1868-1941) فيلهلم شتاينتز (عام 1836-1900) الحائز على عرش بطولة العالم للشطرنج عام 1894، دون أن يُهزم لمدة 27 عاماً متتالية حتى عام 1921، ومن ثم أطاح به أخيراً الكوبي ذو الشخصية الكاريزمية خوسيه راؤول كاپابلانكا (عام 1888-1942). ومع تزايد شهرة لاعبي الصنف الأول، بدأت قصص “إدمان الشطرنج” تتزايد، وعلى رأسها الفنان الفرنسي مارسيل دوشامپ (عام 1887-1968)، الذي أعلن اعتزاله الفن علناً من أجل الشطرنج .

كان للمزيج الفريد من المنافسة الشديدة والتخطيط الناجح في الشطرنج القدرة على إثارة السلوك الهوسي لدى متابعيه، وصار يُنظر إليه على أنه رياضة نفسية تناسب أذكى العقول، عندما وقع المزيد من الناس تحت تأثيره، لا سيّما في أماكن مثل الاتحاد السوفيتي ، حيث رُوّج للعبة على نطاق واسع ، حتى أن رئيسه ڤلاديمير لينين (عام 1870-1924) نفسه كان متحمساً لها . وعلى نحو مماثل؛ تحوّل عدد من الكتّاب بشكل متزايد إلى الشطرنج كوسيلة مثالية لمعالجة الموضوعات ذات الصلة بالعبقرية والجنون والقدرة البشرية على الهوس في مؤلفاتهم، من أمثال ڤلاديمير نابوكوڤ في ” دفاع لوزين “، وستيفان زويگ في ” قصة الشطرنج “، وصمويل بيكيت في ” مورفي “.
أمّا على أعلى المستويات الاحترافية، اشتدت المنافسة؛ حيث خلف كاپابلانكا ذلك المهاجر الفرنسي المولود في روسيا اللاعب المحترف ألكسندر أليخين (عام 1892-1946)، الذي كان بطل العالم من عام 1927 إلى عام 1935 ، ومن عام 1937 إلى عام 1946، ولم تتخلل مسيرته الاحترافية سوى خسارة غير متوقعة أمام اللاعب ماكس إيوي (عام 1901-1981) في عام 1935. وبعد وفاة أليخين عام 1946، سيطر لاعبو الشطرنج السوڤييت (ميخائيل بوتڤينيك، ڤاسيلي سميسلوڤ، ميخائيل تال، تيگران پتروسيان، بوريس سپاسكي) على اللقب حتى تغلب الأمريكي بوبي فيشر (عام 1943-2008) على سپاسكي في بطولة العالم الشهيرة عام 1972، والتي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، و رسخت مكانة الشطرنج كرياضة للتوعية.
في تلك الأثناء، دأب علماء النفس والحاسوب، أمثال؛ آلان تورينگ، كلود شانون، هربرت سيمون، على استخدام مفهوم وجود حاسوب شطرنج عالي المستوى كمعيار أساسي للذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى الإنجاز الشهير عام 1997 عندما فاز حاسوب “ديب بلو” من شركة (آي بي إم IBM) في مباراة حظيت بتغطية إعلامية واسعة ضد بطل العالم آنذاك گاري كاسباروڤ . وفي غضون عشر سنوات من ذلك الحدث، أصبحت حواسيب الشطرنج التي تُسمى “محركات الشطرنج” معروفة جداً بأنها لا تُقهر على الإطلاق من قِبل أفضل لاعبي الشطرنج، وتُستخدم الآن بانتظام كأدوات تحليل وتدريب من قِبل جميع اللاعبين المحترفين .

النرويجي ماگنوس كارلسن المولود عام 1990، المصنف الأول عالمياً الآن، ويُعتبر أحد أفضل اللاعبين ؛ قضى مسيرته الاحترافية بأكملها في عصر لم يكن فيه إنسان قادراً في التغلب على أفضل محركات الشطرنج (برنامج حاسوبي). بيد أن هيمنة محركات الشطرنج لم تُضعف شعبية هذه اللعبة العريقة التي تكيفت بشكل ملحوظ مع عصر الإنترنت.
أمّا اليوم، حيث يلعب الشطرنج الكثير من الناس عبر الإنترنت مقارنةً باللعب التقليدي، وتستضيف مواقع الويب بانتظام مئات الآلاف إن لم يكن الملايين من الأشخاص الذين يلعبون الشطرنج يومياً ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جيني آدامز ـ لعبة القوة: أدب وسياسة الشطرنج في أواخر القرون الوسطى ـ طباعة جامعة بنسلفانيا ـ 2006 .
هوارد بيرتون ـ رحلات عبر عالم الشطرنج ـ أوبن أيجندا للنشر ـ 2022 .
هارولد موراي ـ تاريخ الشطرنج ـ سكايهورس للنشر ـ 2015 .
ديبورا فريمان ـ الشطرنج وقطع ألعاب أخرى من بلاد المسلمين ـ ثاميس هدسون للطباعة ـ 2019 .
جان لوي كازو ـ عالم الشطرنج: تطوره وتنوعاته عبر العصور والحضارات ـ ماكفرلاند للنشر ـ 2017 .
توراج دريايي ـ حول الشطرنج والطاولة ـ أس ـ ميديا ـ 2016 .
نيل ستراتفورد ـ أحجار لويس الشطرنجية ـ مطبعة المتحف البريطاني ـ 1999 .
ريتشارد إيلز ـ الشطرنج : تاريخ اللعبة ـ أنجيليكو للطباعة ـ 1970 .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.