لم تعد السياسة مجرد خطابات تُلقى في الميادين، أو برامج انتخابية تُطبع علي الورق، بل انتقلت بشتى تفاصيلها إلى عالم افتراضي تحكمه “الخوارزميات” (Algorithms) هذه
الكيانات البرمجية الصامتة باتت هي المحرك الخفي الذي يحدد ما نراه، وما نسمعه، بل وما نشعر به تجاه القضايا الوطنية والدولية، ففي اللحظة التي تتصفح فيها هاتفك، تقوم الخوارزميات برسم صورة ذهنية محددة لك، قد تكون نافذة على الحقيقة، أو سجناً ضيقاً من الأفكار المنحازة.
إن خطورة “السياسة الرقمية” تكمن في قدرتها على عزل المستخدمين داخل ما
يُعرف بـ “غرف الصدى”، حيث لا يسمع الفرد إلا صوته، ولا يرى إلا ما
يوافق هواه، مما يضعف لغة الحوار ويفتح الباب أمام انتشار الشائعات الممنهجة وحروب المعلومات التي تستهدف استقرار المجتمعات، ومع تحول منصات التواصل الاجتماعي إلى “برلمانات رقمية”، أصبح لزاماً على الشباب والسياسيين إدراك قواعد هذه اللعبة الجديدة؛ فالمواطنة الرقمية اليوم لا تعني مجرد التواجد على شبكات التواصل، بل تعني امتلاك الوعي النقدي لفرز الحقائق من التضليل، وفهم كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة للبناء أو سلاحاً لتمزيق النسيج الاجتماعي.
وتعمل خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي بمبدأ “تأكيد الانحياز”؛ فهي تظهر لك ما تحب وتخفي عنك ما يختلف معك، وهذا يخلق ما يسميه الخبراء “غرف الصدى”، حيث يعيش المستخدم في فقاعة فكرية تجعله يظن
أن رأيه هو رأي العالم أجمع، وفي السياسة يؤدي هذا إلى “الاستقطاب
الحاد”، حيث يصعب الحوار بين الأطراف المختلفة لأن كل طرف يغذي عقله بمعلومات تدعم وجهة نظره فقط، مما يضعف لغة التفاهم المجتمعي.
والذكاء الاصطناعي ليس شراً مطلقاً، بل هو أداة التحدي الحقيقي
أمام الشباب اليوم ليس في مقاطعة التكنولوجيا، بل في امتلاك أدوات “التربية الرقمية” والمواطن الفاعل هو من يمتلك مهارة “التحقق من المصادر” ولا ينجرف وراء العواطف
التي تثيرها المنشورات الممولة أو الحسابات الوهمية.
وعلينا كأفراد مجتمع إيجاد بدائل حثيثة ومن ضمنها “محتوى رقمي” بديل يتسم بالرصانة والتحليل العلمي، لمواجهة العشوائية الرقمية لينتقل بنا من مرحلة “رد الفعل” على ما تفرضه الخوارزميات، إلى مرحلة “صناعة الأجندة
الرقمية” التي تخدم قضايا التنمية والبناء وتصحح المفاهيم المغلوطة وتحافظ
على أمننا القومي.