تمثل تجارة اليورانيوم المخصب الركيزة
الأساسية لأمن الطاقة العالمي والسيادة الوطنية في القرن الحادي والعشرين، حيث
انتقلت من كونه مجرد قطاع صناعي متخصص إلى أداة جيوسياسية محورية في صراع القوى
الكبرى، وفي قد بلغت قيمة سوق اليورانيوم العالمي حوالي 9.30 مليار دولار أمريكي
عام 2024م، مع توقعات بنمو مطرد يصل إلى 13.59 مليار دولار بحلول عام 2032م،
مدفوعاً بمعدل نمو سنوي مركب قدره 4.86%، هذا النمو لا يعكس فقط زيادة الطلب على
الكهرباء، بل هو نتاج “نهضة نووية” شاملة تم تأطيرها خلال مؤتمرات
المناخ الدولية، لاسيما 28COP
و29COP، حيث اتفقت أكثر
من 30 دولة على مضاعفة القدرة النووية العالمية ثلاث مرات بحلول عام 2050 لتحقيق
أهداف الحياد الكربوني.
إن اليورانيوم المخصب، وتحديداً النظير U235، يمثل المكون الحيوي لإنتاج الوقود النووي
للمفاعلات التجارية والبحثية، وتطبيقات الدفع البحري، والبرامج الاستراتيجية.
وتتميز هذه التجارة بكثافة رأس مال هائلة، وحواجز دخول تكنولوجية وتنظيمية بالغة
التعقيد، مما حصر السوق في يد عدد قليل من الفاعلين الدوليين مثل شركات روزاتوم (Rosatom) الروسية، وأورانو (Orano) الفرنسية، ويورينكو (Urenco) الأوروبية، وكازاتومبروم (Kazatomprom) الكازاخستانية، ومع ذلك، يشهد السوق حالياً
اضطراباً هيكلياً ناتجاً عن التوترات الجيوسياسية، لاسيما بعد الصراع الروسي
الأوكراني في عام 2022، الذي كشف عن هشاشة الاعتماد الغربي على قدرات التخصيب
الروسية التي كانت تغطي نحو 44% من القدرة العالمية.
روسيا و تجارة اليورانيوم المخصب
وتسيطر شركة روزاتوم الروسية عبر ذراعها
“تينيكس” (Tenex) على حوالي 44% من
القدرة العالمية للتخصيب، هذا التمركز منح روسيا نفوذاً استراتيجياً هائلاً، حيث
تعتمد المفاعلات النووية الأمريكية على روسيا في تأمين حوالي 20% إلى 27% من احتياجاتها
من اليورانيوم المخصب، وفي تحرك استراتيجي وُصف بأنه “مشروع مانهاتن”
لتقليل التبعية لروسيا، أصدرت الولايات المتحدة في مايو 2024م “قانون حظر
واردات اليورانيوم الروسي”، الذي يمنع استيراد اليورانيوم الروسي (الطبيعي والمخصب)
اعتباراً من أغسطس 2024م وحتى عام 2040، ولضمان استقرار الشبكة الكهربائية، تضمن
القانون نظام إعفاءات مؤقتة يمكن منحها حتى بداية عام 2028م في حالات الضرورة
القصوى، ترافق هذا الحظر مع تخصيص الحكومة الأمريكية لمبلغ 2.7 مليار دولار لدعم
بناء قدرات تخصيب وتحويل محلية، تهدف إلى إعادة إحياء صناعة الوقود النووي
الأمريكية التي تضاءلت على مدى العقود الماضية.
التحديات الأوروبية وتنويع المصادر
وفي أوروبا يتسم الوضع بمزيد من التعقيد، خاصة
في الدول التي تدير مفاعلات VVER
المصممة سوفيتياً مثل بلغاريا وجمهورية التشيك والمجر وسلوفاكيا، بينما بدأت معظم
هذه الدول في توقيع عقود مع شركتي “وستنجهاوس” الأمريكية و”أورانو”
الفرنسية لتأمين بدائل للوقود الروسي، تظل المجر استثناءً بارزاً حيث حصلت على
إعفاءات من عقوبات الاتحاد الأوروبي لمواصلة تعاونها مع روزاتوم، إن هذا الانقسام
يعكس صعوبة استبدال التكنولوجيا النووية الروسية المرتبطة بمواصفات فنية دقيقة
وتكاليف تحويل عالية، وتظل أيضاً كازاخستان المورد الأهم لليورانيوم
الطبيعي عالمياً بحصة تبلغ 39% من الإنتاج المنجمي، ومع ذلك فإن موقعها الجغرافي
واعتمادها التاريخي على البنية التحتية الروسية (مثل ميناء سانت بطرسبرغ) وضعها في
موقف حرج بعد اندلاع الحرب الأوكرانية.
تأثير الذكاء الاصطناعي ومراكز
البيانات
ومن ضمن العوامل الجديدة التي بدأت تؤثر على الطلب هي الزيادة الهائلة في
استهلاك الطاقة من قبل مراكز البيانات الكبرى المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تبحث
شركات التكنولوجيا الكبرى (مثل مايكروسوفت وأمازون) عن مصادر طاقة نظيفة ومستمرة (Baseload Power)، مما جعلها تتوجه نحو الطاقة النووية، وهو
ما يضيف شريحة جديدة من المشترين في سوق اليورانيوم المخصب لم تكن موجودة
تاريخياً.
وفي النهاية يمكن القول أن تجارة اليورانيوم
المخصب تمر بمرحلة انتقالية حرجة ستعيد تعريف توازنات القوى العالمية لعقود قادمة
ومن ضمنها (نهاية عصر العولمة النووية البسيطة – تسييس سلاسل التوريد – احتياجها
للتكنولوجيا المتقدمة – الممرات اللوجستية البديلة – الاستدامة والتمويل الشامل)