حين يتحول العمل من مصدر إنجاز إلى عبء وجودي، لم يعد الاحتراق النفسي مجرد حالة فردية من الإرهاق المؤقت، بل تحوّل إلى ظاهرة عالمية تهدد الصحة النفسية للعاملين، وتضرب في عمق كفاءة المؤسسات واستدامتها. بين ضغط الإنجاز، وسباق الأرقام، وهيمنة ثقافة “العمل بلا توقف”، يجد الإنسان نفسه في مواجهة صامتة مع ذاته، قد تنتهي بفقدان الشغف، أو الانسحاب النفسي، أو حتى الانهيار الكامل. ما هو الاحتراق النفسي؟عرّفت منظمة الصحة العالمية (WHO) الاحتراق النفسي بأنه متلازمة ناتجة عن ضغوط مزمنة في مكان العمل لم يتم التعامل معها بنجاح، مؤكدة أنه ظاهرة مهنية مرتبطة بالعمل وليست مرضًا نفسيًا في حد ذاته.ويتجلى الاحتراق النفسي في ثلاث صور رئيسية:إرهاق شديد وفقدان مستمر للطاقةتبلّد المشاعر والسلبية أو التهكم تجاه العملتراجع الكفاءة المهنية وضعف الأداء والإنتاجيةهذا التعريف أدرج رسميًا في التصنيف الدولي للأمراض ICD-11، ما يعكس خطورة الظاهرة واعتراف المؤسسات الدولية بها.
كيف يبدأ الاحتراق النفسي؟الخطورة الحقيقية للاحتراق النفسي تكمن في كونه عملية تراكمية لا تحدث فجأة. يبدأ الأمر بحماس زائد، ثم إجهاد متكرر، ثم إنهاك صامت، إلى أن يصل الفرد إلى مرحلة “العمل الآلي” بلا روح أو دافع.ومن أبرز أسبابه:ضغط العمل المستمر دون فترات راحة حقيقيةغياب التقدير، وضعف التحفيز المعنوي مقابل الجهد المبذولغموض الأدوار الوظيفية وتضارب التعليماتالمركزية المفرطة وحرمان العاملين من المشاركة في اتخاذ القرارثقافة عمل سامة تمجّد الإرهاق، وتربط القيمة الإنسانية بعدد ساعات العمل لا بجودة الإنجازأمثلة من الواقع العمليفي كثير من المؤسسات، يُكافأ الموظف الأكثر إنهاكًا لا الأكثر كفاءة، ويُنظر إلى طلب الإجازة أو الراحة باعتباره ضعفًا أو قلة التزام.هذا النمط الإداري يُنتج موظفين “حاضرين جسديًا، غائبين ذهنيًا”، ويخلق بيئة عمل تستنزف الإنسان بدل أن تطوّره.الاحتراق النفسي… تكلفة خفية على المؤسساتلا يتوقف أثر الاحتراق النفسي عند حدود الفرد، بل يمتد ليصيب المؤسسة بخسائر مباشرة وغير مباشرة.تشير تقارير Gallup إلى أن الموظفين الذين يعانون من الاحتراق النفسي:أقل إنتاجية بنسبة ملحوظةأكثر عرضة للغياب المرضيأكثر ميلًا لترك العمل أو البحث عن فرص بديلةأكثر ارتكابًا للأخطاء المهنيةوتقدّر دراسات عالمية خسائر الاحتراق النفسي بمليارات الدولارات سنويًا نتيجة انخفاض الأداء ودوران العمالة.
من المسؤول؟المسؤولية هنا مشتركة ولا يجوز اختزالها في طرف واحد.أولًا: الفردإدارة طاقته لا وقته فقطوضع حدود صحية بين العمل والحياة الشخصيةإدراك أن الاستنزاف المستمر ليس بطولة بل خطرثانيًا: المؤسسةتبنّي سياسات عمل مرنة وعادلةتوفير نظم دعم نفسي ومهنيإعادة تعريف النجاح بعيدًا عن ثقافة “الضغط الدائم”بناء بيئة إنسانية تحترم قدرات البشر قبل أرقام التقاريرالاحتراق النفسي والإدارة الحديثةالإدارة المعاصرة لم تعد تقاس فقط بقدرتها على تحقيق الأرباح، بل بقدرتها على الحفاظ على الإنسان المنتج.فالموظف المحترق لا يمكن أن يكون مبدعًا، ولا مبتكرًا، ولا شريكًا حقيقيًا في النجاح.خلاصة القولالاحتراق النفسي ليس ضعفًا فرديًا، بل جرس إنذار تنظيمي وثقافي.والمؤسسات الذكية هي التي تدرك أن الاستثمار الحقيقي لا يكمن في الأنظمة والتكنولوجيا فقط، بل في الإنسان القادر على الاستمرار، والإبداع، والعطاء دون أن يحترق.