د. إبراهيم رمضان يكتب | قانون المحليات.. بوابة الألف قرية

0

ثمة لحظات في حياة الدول تشبه لحظة الفجر — لا يرى فيها كثيرون أكثر من ضوء خافت، لكنها تحمل في جوفها وعدًا بيوم مختلف. ما يدور الآن تحت قبة مجلس النواب المصري من نقاشات حول قانون الإدارة المحلية هو واحدة من هذه اللحظات. إنها ليست مجرد تشريع يُضاف إلى رف المراسيم، بل هي محاولة جادة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة وإنسانها، وبين القرار ومن يتأثر به.
في السادس عشر من فبراير الماضي، أحال مجلس النواب مشروع قانون الإدارة المحلية إلى لجنته المتخصصة للدراسة. ومنذ ذلك الحين، تواصلت الجلسات وتعددت الحوارات، والسابع من أبريل موعد جديد تعقده اللجنة للنظر في هذا الملف. الوزير المهندس وليد المصري يقود مشاورات واسعة مع الأحزاب والتكتلات البرلمانية، والحكومة تُعلن انفتاحها الكامل على كل المقترحات التي تُجوِّد النص وتخدم المواطن.
لماذا هذا القانون الآن؟
مصر دولة بـ106 ملايين نسمة، موزعون على 27 محافظة وآلاف القرى والأحياء. هذا التنوع الجغرافي والبشري الهائل يعني أن احتياجات أبناء الدلتا تختلف عن احتياجات صعيد مصر، وأن مشكلات شوارع الإسكندرية ليست مشكلات شوارع الوادي الجديد. الإدارة المركزية قادت الدولة بكفاءة في مراحل التأسيس والبناء، لكن مصر تجاوزت تلك المرحلة، وباتت تحتاج إلى سلطة محلية حية تعرف بيئتها وتتفاعل مع أهلها.
ثلاثة محاور تشكّل روح القانون الجديد
أبرز مرتكزات مشروع القانون
← اللامركزية المالية: إيرادات وإنفاق محلي وفق أولويات يحددها أهل المنطقة أنفسهم
← اللامركزية الخدمية: دليل احتياجات تقرره مجالس المحافظات لا القاهرة
← اللامركزية الإدارية: رقابة محلية حقيقية على الجهاز التنفيذي ومتابعة المشروعات
← انتخاب ربع المقاعد بالنظام الفردي والباقي بالقوائم لضمان تمثيل الطيف المجتمعي
← تخصيص 30% من المقاعد للمرأة دعمًا لتمكينها في صنع القرار المحلي
← حساب موحد لكل وحدة محلية لدى البنك المركزي لضمان الانضباط المالي
← مجلس أعلى للإدارة المحلية برئاسة رئيس الوزراء يجتمع بانتظام لمتابعة السياسات

ما يميز هذا القانون: عقد اجتماعي جديد
مشروع القانون لا يكتفي بإعادة تفعيل المجالس المحلية، بل يبني عقدًا اجتماعيًا جديدًا بين المواطن والدولة المحلية. يُقرر أن يصدر قرار حل أي مجلس محلي من مجلس النواب وفق ضوابط قانونية واضحة، وهو ما يعني أن المجالس ستتمتع بحماية مؤسسية تُبعدها عن التأثيرات الضيقة. كما يؤسس لمجلس أعلى للمحافظين برئاسة رئيس الوزراء لمناقشة الشؤون المحلية وتنسيق العمل بين المحافظات.
هذا التصميم الهيكلي يعني أن اللامركزية لن تعني الفوضى أو التفكك، بل الشراكة المنظمة بين المركز والمحليات — وهو نموذج حوكمة ناضج تسعى إليه أعرق الديمقراطيات في العالم.
المرأة والشباب: الوجه الجديد للمحليات
لعل أكثر ما يستحق التأمل في هذا القانون هو اهتمامه بإتاحة الفرصة لمن ظلوا على الهامش طويلًا. نسبة الثلاثين بالمئة للمرأة ليست رقمًا في مادة قانونية، بل هي اعتراف رسمي بأن التنمية المحلية الحقيقية لا تكتمل بغير صوت المرأة التي تعرف أكثر من غيرها احتياجات البيت والمدرسة والمستوصف.
رحلة من الوعد إلى التشريع
السنة المحطة
2014 الدستور المصري يُلزم بإصدار قانون المحليات وإجراء انتخاباته
2021 الحوار الوطني يُعيد ملف المحليات إلى الأولويات التشريعية
فبراير 2026 مجلس النواب يُحيل المشروع إلى لجنة الإدارة المحلية للدراسة
مارس 2026 الحكومة تُجري حوارات موسعة مع الأحزاب والتكتلات البرلمانية
أبريل 2026 اللجنة تتواصل في انعقادها لصياغة نص تشريعي توافقي جامع

بوابة الألف قرية
التاريخ يخبرنا أن الدول التي أحدثت نقلات نوعية في جودة حياة مواطنيها لم تفعل ذلك بمشروع عملاق وحده، بل بتراكم آلاف القرارات الصغيرة التي اتُّخذت قريبًا من الناس. الطريق المسفلت في قرية نائية، والمدرسة التي نُقلت حجرة درسها، والصرف الصحي الذي وصل أخيرًا إلى حي قديم — هذه هي مادة التنمية الحقيقية، وهي بالضبط ما تصنعه المجالس المحلية الفاعلة.
قانون المحليات الجديد — إن أُحسن تطبيقه — يمكن أن يكون البوابة التي تدخل منها مصر إلى مرحلة إدارة مختلفة؛ حيث يشعر كل مواطن، في أقصى الصعيد أو في أحدث أحياء الدلتا، أن ثمة من يسمعه ويحاسبه ويعمل باسمه. هذا الشعور وحده يستحق كل هذه السنوات من الانتظار.
مصر تعود إلى نفسها — إلى قراها وأحيائها ومدنها — وهذا وحده خبر يستحق أن يُحتفى به.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.