د.إسلام علي شاهين يكتب | الأرض المحروقة وصراع المحاور الكبري

0

في الثامن والعشرين من فبراير 2026 مرحلة “الحرب الإقليمية الشاملة” التي تجاوزت كافة الخطوط الحمراء، لتتحول من مواجهة بالوكالة إلى صدام مباشر وعنيف بين المحاور الكبرى. إن إطلاق الولايات المتحدة وإسرائيل لعملية “الغضب الأسطوري” (Operation Epic Fury) لم يكن مجرد ضربة عسكرية، بل كان -وفق القراءة الاستراتيجية العميقة- “الخيط الأول” في مخطط يستهدف إسقاط أحجار الدومينو تباعاً، وصولاً إلى المحور العربي الإسلامي السني، وإعادة رسم خارطة النفوذ عبر تفكيك القوى الإقليمية الكبرى واستبدالها بتحالفات هجينة.

زلزال طهران وسقوط “الخطوط الحمراء”شكل تأكيد استشهاد المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية “علي خامنئي” جراء ضربة جوية مدمرة استهدفت مقره بـ 30 قذيفة من نوع (JDAM) وصواريخ (Tomahawk)، نقطة تحول جذري في مسار الصراع. هذه الضربة، التي لم تستهدف المرشد فحسب بل طالت صفوة القيادة السياسية والعسكرية -بمن فيهم وزير الدفاع عزيز نصير زاده ورئيس الأركان عبد الرحيم الموسوي وقائد الحرس الثوري محمد باكبور- دفعت بطهران نحو تبني استراتيجية “الأرض المحروقة” (Scorched Earth).تجلت هذه العقيدة الجديدة في عملية “الوعد الصادق 4″، حيث لم يعد الرد الإيراني “محسوباً”، بل تحول إلى هجوم انتحاري شامل أمطر العمق الإسرائيلي بصواريخ باليستية وفرط صوتية وانشطارية. وقد أدى القصف إلى تدمير مبانٍ كاملة في تل أبيب وحيفا، فضلاً عن تدمير محطة “سوريك” لتحلية المياه، مما أغرق شوارع العاصمة المحتلة بالمياه، في مشهد يعكس شلل منظومات الدفاع الجوي أمام كثافة النيران.
حرب التصريحات والبعد الشخصي في قرار ترامبكشفت التطورات الأخيرة عن تباين واضح في نبرة وأهداف القادة، وبرز بشكل لافت “البعد الشخصي” في قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ففي تصريحات “نارية” عبر منصة تروث سوشيال، اعترف ترامب بأن محاولات اغتياله في عام 2024 كانت عاملاً حاسماً في أمره ببدء العمليات، معلقاً على مقتل المرشد الإيراني بقوله: “سبقته قبل أن يسبقني.. حاولوا مرتين، لكنني وصلت إليه أولاً”.وفي حين حدد ترامب أهداف عمليته في “منع إيران من امتلاك سلاح نووي وتدمير قدراتها الصاروخية وبحريتها” ، ذهب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أبعد من ذلك؛ حيث أعلن صراحة أن الهدف هو “تغيير النظام في طهران”، مدعياً أن هذا التحرك “السريع والحاسم” هو بوابة لسلام وشيك مع المملكة العربية السعودية ودول إسلامية أخرى ستجني الكثير من سقوط النظام الحالي.وعلى الجانب الآخر، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن بلاده “لن تلتزم الصمت ولن تخضع للجرائم الأمريكية والإسرائيلية”، واصفاً استهداف المدنيين والمنشآت بأنه انتهاك صارخ للمبادئ الإنسانية.
تحدي المعلوماتالاستخباراتية… حروب الظل وفضيحة “العلم المزيف” في الخليجفي أخطر تطور استخباراتي منذ بدء الأزمة، كشفت تقارير إعلامية وتصريحات رسمية إيرانية عن شبكة معقدة من عمليات “العلم المزيف” (False Flag) التي يديرها الموساد الإسرائيلي لتوريط دول الخليج في حرب مباشرة. وأكدت طهران رسمياً عدم مسؤوليتها عن قصف مصفاة “أرامكو” في “رأس تنورة” وميناء “الفجيرة” بالإمارات، مشيرة إلى أن إسرائيل هي من نفذت هذه الهجمات لإجبار الرياض وأبو ظبي على الانخراط في التحالف العسكري بعد تراجع الثقة في الدور الأمريكي.هذا التحليل تعزز بما فجره الإعلامي الأمريكي العالمي “تاكر كارلسون”، الذي كشف عن إلقاء القبض على خلايا وعملاء للموساد في قطر والسعودية كانوا يخططون لعمليات تخريبية كبرى داخل المنشآت الحيوية لنسبها إلى إيران. ويبدو أن الهدف الصهيوني من هذه “المؤامرة” هو استنزاف مقدرات دول الخليج المالية والعسكرية، وتحويلها إلى “درع بشري وتمويلي” لحرب لا تخدم سوى طموحات “إسرائيل الكبرى” التي لم يعد قادتها يجدون حرجاً في الحديث عن خريطة “من النيل إلى الفرات”.
كسر الهيبة العسكرية واستهداف الرموز السياديةشهدت الساعات الماضية أحداثاً عسكرية غير مسبوقة في التاريخ المعاصر حيث تعرضت الهيبة العسكرية الأمريكية لضربات قاسية ميدانياً:استهداف حاملة الطائرات: أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف حاملة الطائرات الأمريكية “إبراهام لينكولن” في بحر العرب بأربعة صواريخ باليستية، مما دفعها للتراجع وتشفير موقعها الراداري، وهي إهانة عسكرية لم تتعرض لها واشنطن منذ عقود.سقوط أسطورة الـ F-15: سُجل سقوط مقاتلات أمريكية من طراز F-15 وF-16 في رمال الكويت، وسط تضارب الأنباء بين “نيران صديقة” وهجوم سيبراني صيني نجح في “تسميم” بيانات الرادارات لجعل الدفاعات الجوية تضرب طائراتها الحليفة.إغراق “شهيد باقري”: في المقابل، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية إغراق 9 سفن حربية إيرانية، من بينها حاملة الدرونات المتطورة “شهيد باقري”، في محاولة لشل القدرات البحرية لطهران.استهداف مراكز القرار: وصلت الصواريخ الإيرانية إلى مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومقر قيادة سلاح الجو، والسفارة الأمريكية في الرياض، في رسالة مفادها أن “بنك الأهداف” الإيراني لا يستثني أحداً.

صراع المحاور وتصدع حلف “الناتو”تتجلى في الأفق ملامح “حرب عالمية مصغرة”؛ حيث انضمت بريطانيا وفرنسا وألمانيا للتحالف الأمريكي-الإسرائيلي، في حين اتخذت إسبانيا موقفاً تاريخياً برفض المشاركة وطرد الطائرات الأمريكية من قواعدها. وفي الخلفية، توفر الصين وروسيا مظلة استخباراتية وتكنولوجية لطهران، تهدف لتحويل المنطقة إلى “فخ” يستنزف الذخيرة والقدرات الأمريكية.أما على الصعيد الإقليمي، فيبرز صراع المحاور:المحور الصهيوني-الإبراهيمي: يسعى نتنياهو لتشكيله مع الهند واليونان وقبرص، مع محاولات لاستمالة إثيوبيا لتطويق مصر مائياً واستراتيجياً.  درع الردع الإسلامي: يتمثل في التنسيق المتصاعد بين (مصر، السعودية، تركيا، باكستان). وقد بدأت ثمار هذا المحور تظهر في اتفاقيات الدفاع المشترك السعودي الباكستاني، والتحذير الباكستاني الرسمي لإيران من المساس بأمن المملكة، والمناورات البحرية التركية المصرية.

 “تسونامي” اقتصادي وتحذيرات الإجلاء العاجلةاقتصادياً، يعيش العالم صدمة طاقية كبرى بعد إغلاق مضيق هرمز تماماً وتوقف إنتاج الغاز المسال في قطر وإسرائيل (حقل ليفياثان). قفزت أسعار الذهب إلى 5400 دولار للأونصة، وارتفع خام برنت متجاوزاً 80 دولاراً، بينما وصل الدولار في مصر إلى مستويات قياسية نتيجة هروب “الأموال الساخنة” خوفاً من اتساع رقعة الحرب.تزامن هذا الانهيار الاقتصادي مع صدور تحذيرات أمنية أمريكية وبريطانية عاجلة لرعاياها بمغادرة المنطقة فوراً، بما في ذلك مصر والأردن والإمارات، مما يثير مخاوف من لجوء واشنطن لاستخدام “أسلحة تكتيكية” غير تقليدية أو بدء غزو بري شامل لإيران.

الخلاصة: ضرورة الوقفة الحاسمةإن استهداف إيران ليس سوى المقدمة لمخطط أوسع يستهدف القوى السنية الكبرى. إن التباين في الأهداف بين ترامب (الذي يدعي عدم الرغبة في استخدام القوة المفرطة) ونتنياهو (الذي يسعى لتصفية القيادات وتغيير الخريطة) يضع المنطقة في مهب الريح.إن وحدة الصف العربي والإسلامي، وتفعيل “جيش دفاعي مشترك” بين (مصر، السعودية، تركيا، باكستان)، هو طوق النجاة الوحيد لمنع سقوط المنطقة في قبضة المخطط التوسعي الصهيوني الذي يسعى لتحويل المسلمين إلى وقود لحرب تخدم أطماعه في السيادة المطلقة. يجب على القوى الإقليمية أن تدرك أن الصمت اليوم يعني انتظار دورها في مصفوفة السقوط غداً.
يَا رَبِّ سَلِّم… وَاحفَظْ شُعُوبَنا مِنْ كَيْدِ المتآمرين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.