د. رامي جلال يكتب | مازال المقال بمفهوم جديد

0

“سياسة بمفهوم جديد” هو الشعار العام لتنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، بينما شعار موقع التنسيقية للمقالات هو: “مقال بمفهوم جديد”. وهذا المفهوم الجديد متعلق بنمط تلقي الوسيلة الإعلامية، وليس الجمهور، للمقال؛ فالحجب والمنع والحذف وغيرها من تقنيات تقييد الحريات، لا تجد لها مكانًا كبيرًا في كيان سياسي قام أصلًا على فكرة التنوع، وأعتقد أن لهذا علاقة بموسيقى الراب!
خرجت لنا موسيقى الراب في سبعينيات القرن الماضي، من حي “برونكس” بمدينة نيويورك. وهي عندنا مثل الأوبرا، لا جذور قوية لها لأنها لم تنبع من طينة أرضنا (قارن بعد رواج الأوبرا ورواج أغاني المهرجانات، وتذكر بالمناسبة أن الرواج لا يعكس القيمة بالضرورة). عمومًا هي موسيقى تعبر عن حالة تمرد. ومن فرق الراب الرائجة في مصر فرقة “كاريوكى” ولهم أغنية يعرفها جيدًا محبو هذا الفن، وهي تقول: “يا أبيض يا أسود قصة حياتي وكل حكاياتي، مع إني عادى أعيشها في النص رمادي”.
كلمات الأغنية تطرح قضية أحادية التفكير والاستقطاب والاختيارات المتطرفة للبعض. من المرجح أن هناك عددًا لا نهائيا من الألوان في الكون.. والألوان منها ما هو أولى؛ وتلك تتواجد بنفسها، ولا تنتج عن عمليات خلط، وهي: (الأحمر، الأزرق، الأصفر).. وبخلط أي لونين مما سبق نحصل على الألوان الثانوية وهي: (الأخضر والأصفر والبرتقالي).. كما أن خلط لون أولي مع لون ثانوي، بنسب متساوية، ينتج لونًا ثالثيًا، مثل ألوان: اللازوردي والنيلي.. ويمكن كذلك تصنيف الألوان بطرق عديدة أخرى؛ فهناك الألوان المحايدة، وهي: (الأسود، والأبيض، الرمادي). والألوان الباردة التي تعبر عن الماء والسماء وهي: (الأخضر والأزرق والبنفسجي). والألوان الدافئة التي تعبر عن النار والدم وهي: (الأصفر والبرتقالي والأحمر).
كل ما سبق من خلطات هو خاص بالصبغات، أما إذا كنا نتحدث عن مزج الأضواء الملونة فإن نتائج مختلفة ستكون في انتظارك (أضواء زرقاء وحمراء وخضراء ستُكون معًا ضوءًا أبيض، بينما صبغات التتابع اللوني السابق نفسه ستعطى خليطًا بنيًا مائلًا للسواد). هذا الثراء اللوني الفريد الذي قدمه لنا الخالق، لم يكن شفيعًا للبعض لتفهم أن الحياة بُنيت على التنوع، وأن محاولة فرض لون واحد- أيًا كان- جريمة في حق الخالق والمخلوق.
عندنا، يُهمل البعض دائرة الألوان كلها، ويختارون عمى الألوان الأحادي؛ فالحياة عندهم إما بيضاء ناصعة أو سوداء حالكة، وهو تجاهل غريب لعدد لانهائي من البدائل والاختيارات. وحتى من يحاول الوقوف في المنتصف، في المنطقة الرمادية، أصبح يوصف بأنه بلا موقف، وذلك على الرغم من أن اللون الرمادي نفسه له تسع درجات على الأقل، وكلها وسط بين بياض الثلج وسواد الليل. (بالمناسبة: من الناحية العلمية فإن كلا من الأبيض والأسود والرمادي ليست ألوانًا أصلًا، ويُطلق عليها “ألوان بلا لون”، لكن هذا موضوع آخر).
تقدم لنا الطبيعة درسًا قيمًا وفريدًا، فعلميًا؛ لا يوجد شيء اسمه ألوان (بجد)، الألوان هي مجرد ترجمة خادعة تقوم بها أدمغتنا للتفريق بين الأطوال الموجية المختلفة للضوء في النطاق المحدود للضوء المرئي (عيوننا لا نرى مدى واسع جدًا من الاشعاعات مثل: تحت الحمراء وفوق البنفسجية وأكس وجاما وغيرها). لا توجد ألوان، وبالتالي فلا أحد منا، على الإطلاق، يرى الحقيقة ويمتلكها، كلنا نعبر عما يظنه عقلنا أنه حقيقة.
لو زارنا كائن فضائي لديه مستقبلات ضوء أكثر في عينيه، سيرى أطيافًا جديدة ويختلق عقله ألوانًا مبتكرة للتفريق بينها. هذه الألوان الجديدة لن يتمكن أحد من التعبير عنها لغويًا بكلامنا الأرضي، فلا ترجمة لها في تراثنا العقلي؛ فهي أشياء لم ترها عين ولم تسمع بها أذن ولم تخطر على بال إنسان.
من هنا تأتي قيمة فكرة “مقال بمفهوم جديد”. فالموقع لا ينحاز إلى لون واحد، ولا يفرض على كُتّابه نظارة فكرية بعينها، ولا يعاني من ذلك المرض الشائع الذي يمكن تسميته بـ “عمى الآراء”. هو مساحة ترى الطيف كاملًا، وتدرك أن الحقيقة لا تسكن رأسًا واحدًا، ولا تُختزل في أيديولوجيا واحدة، وأن الاختلاف ليس تهديدًا بل شرطًا أساسيًا للفهم، والنقاش، والتطور.
قبول التنوع هنا ليس مجاملة، ولا ترفًا ثقافيًا، بل موقف واعٍ من معنى السياسة والثقافة معًا. فكما لا توجد ألوان مُطلقة في الطبيعة، لا توجد أفكار نهائية في الشأن العام. الموقع الذي يفتح نوافذه لكل الأصوات لا يضعف، بل يزداد قوة، لأنه يراكم المعنى بدل أن يصادره، ويثق في عقل القارئ بدل أن يلقنه.
في زمن يميل فيه كثيرون إلى الأبيض أو الأسود، إلى الإقصاء أو التخوين، يصبح الإصرار على رؤية الطيف كاملًا فعل مقاومة ثقافية. مقاومة لكسل الفكر، ولعنف التجريد الإيديولوجي، وللوهم القائل إن الحقيقة يمكن امتلاكها. هنا، في هذا “المقال بمفهوم جديد”، لا أحد يحتكر الضوء، وكلنا نحاول فقط أن نراه بشكلٍ أصدق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.