يتسم مفهوم الثقافة بالشمولية والعمومية والاتساع؛ حيث أفرد العديد من علماء ومفكري الشرق والغرب تعريفات شتى لها، فهي بمفهومها الدارج: «مجموعة من القيم والعادات والتقاليد التي تميز مجتمعاً عن آخر».كما جاء في لسان العرب لابن منظور أن الثقافة: حُسْنُ المَنْطِقِ وفَطَنَةُ الإنسان، ورجلٌ ثَقِفٌ: أي فَطِنٌ حاذِقٌ، والثَّقَفُ: العِلْمُ بالشيءِ والوقوفُ عليه.تُعدُّ الثقافة جزءاً أصيلاً من الحياة الإنسانية، حيث تلعب دوراً فعالاً ومؤثراً لا مندوحة عنه في المجتمع ككل، من حيث بناء الهُوية بشقيها الشخصي والاجتماعي، والمحافظة على العادات والتقاليد والأعراف والتراث. كما أنها ذات قابلية للتغير عبر الأزمان، تؤثر وتتأثر بالعوامل المجتمعية بمختلف أطيافها.مما يُشار إليه بالبنان أن مصر عاشت في تهميش ثقافي ومعرفي لا نستطيع نكرانه؛ إذ لم تُعنَ الدولة المصرية بالثقافة، حيث كانت مقتصرة على طبقة بعينها، وكانت هناك محاولات وجهود من قبل أدباء مصر ومثقفيها ومفكريها لإنعاشها، لكنها كانت محاولات شخصية وفردية.عندما تولى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر رئاسة الجمهورية، عُني بالثقافة على الخريطة المصرية؛ لأنها ركيزة من ركائز تقدم الدولة ونهوضها وتعزيز الهُوية، وتنمية الحس الوطني الجمعي، وتشكيل الرأي العام، وتوجيه السياسات الثقافية.في بادئ الأمر لم تكن وزارة الثقافة وزارة مستقلة، ولكن في أعقاب ثورة يوليو ١٩٥٢م أصدر جمال عبد الناصر مرسومًا بقانون رقم ٢٧٠ بإنشاء وزارة الإرشاد القومي، التي كان هدفها تشكيل وتوجيه الوعي الجمعي المصري، فكان قطاع الثقافة أحد قطاعاتها. ثم انفصل هذا القطاع الثقافي بشكل تدريجي، وأنشئت وزارة الثقافة والإرشاد القومي، وانفصلت وزارة الثقافة عام ١٩٥٨م لتصبح وزارة مستقلة بذاتها، تستوعب كافة أطياف الشعب الفكرية من مثقفين وأدباء وشعراء وفنانين من مختلف فئاتهم.تولى وزارة الثقافة المصرية منذ عهد الرئيس جمال عبد الناصر وحتى الآن مجموعة من أبرز المثقفين والأكاديميين والفنانين والأدباء والمفكرين؛ حيث يُعد الدكتور ثروت عكاشة أول وزير للثقافة المصرية، والدكتورة جيهان زكي الوزيرة الحالية.وسوف أستعرض الوزراء الذين تولوا منصب وزير الثقافة منذ إنشائها في عهد الرئيس جمال عبد الناصر (الإنشاء) حتى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي (التطوير):• عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر (١٩٥٤ – ١٩٧٠م):تولى الدكتور ثروت عكاشة منصب وزير الثقافة مرتين، والدكتور محمد عبد القادر حاتم، والأديب والمفكر سليمان حزين.• عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات (١٩٧٠ – ١٩٨١م):تولى المنصب المفكر بدر الدين أبو غازي، والدكتور إسماعيل غنيم، والدكتور محمد عبد القادر حاتم، والأديب يوسف السباعي، والدكتور جمال العطيفي، والأديب والمفكر عبد المنعم الصاوي، والدكتور حسن إسماعيل، والسياسي منصور حسن، والأديب والمفكر محمد عبد الحميد رضوان.• عهد الرئيس الراحل محمد حسني مبارك (١٩٨١ – ٢٠١١م):تولى المنصب الأديب والمفكر محمد عبد الحميد رضوان، والأديب أحمد عبد المقصود هيكل، والفنان التشكيلي فاروق حسني، الذي استمرت مدة توليه الوزارة أربعة وعشرين عاماً، وهي أطول مدة قضاها وزير ثقافة مصري في منصبه.• فترة المجلس الأعلى للقوات المسلحة (٢٠١١ – ٢٠١٢م):تولى المنصب الأديب والمفكر جابر عصفور، والأديب والمفكر محمد عبد المنعم الصاوي، والأديب والمفكر عماد أبو غازي، والأديب والمفكر شاكر عبد الحميد، والدكتور محمد صابر عرب، الذي تولى المنصب في ثلاث حكومات متعاقبة: حكومة كمال الجنزوري، وحكومة هشام قنديل، وحكومة حازم الببلاوي.• عهد الدكتور محمد مرسي (٢٠١٢ – ٢٠١٣م):تولى المنصب الأديب والمفكر علاء عبد العزيز.• عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي (٢٠١٤ – حتى الآن):تولى المنصب الأديب والمفكر جابر عصفور، والأديب والمفكر عبد الواحد النبوي، والكاتب الصحفي والمؤرخ حلمي النمنم، والدكتورة إيناس عبد الدايم التي تُعد أول سيدة تتقلد منصب وزير الثقافة في تاريخ الوزارة، والدكتورة نيفين الكيلاني، والدكتور أحمد فؤاد هنو، والدكتورة جيهان زكي ( الوزيرة الحالية).
وأخيراً؛ تظل رحلة الثقافة في مصر شاهداً حياً على تطور الوعي الوطني وتبدل الرؤى عبر العصور، فهي ليست مجرد وزارة أو منصب، بل مشروع حضاري متجدد ومستدام، يُعبر عن روح الأمة ويحفظ ذاكرتها ويصوغ مستقبلها. وإذا كانت الثقافة قد مرت بمحطات صعود وتحديات، فإنها تبقى دائماً حجر الزاوية في بناء الإنسان المصري، وصمام الأمان لهُويته، والجسر الذي تعبر به الدولة نحو التقدم والرقي.