د.نجوي الهواري تكتب | فهمي عمر.. الصعيدي الذي هزم الحرب

0

لم أدرك في هذا اليوم من العام 1995 لماذا خيم الحزن على قريتنا، ولماذا هدأت الطرقات وسكن الضجيج.

كان منزلنا يضج برجال وشباب العائلة صباحا ومساء طيلة أيام انتخابات مجلس الشعب آنذاك، كونه ملاصقا لأكبر مقرين للجان الانتخابية بقريتي. لكن فجأة تحولت تلك اللقاءات الصاخبة بالحديث والترحاب إلى صمت مهيب، وتغيرت الملامح الهادئة إلى عروق تنبض بالغضب. سمعت بعدها أبي يقول: اغتيل ابن الأستاذ فهمي عمر بإحدى قرى شرق النيل.

لقد كانت مقولة الأستاذ فهمي عمر وقتها: “عفونا عن القاتل” بمثابة عفو عند المقدرة، وحقنا لسلسلة من الدماء في زمن كانت فيه عادة الأخذ بالثأر عرفا مقدسا بالمجتمع القنائي، والتنازل عنه عارا على تاركيه. لقد أدرك الأستاذ أن هذه الوجوه الغاضبة لم تكن لتهدأ سوى بزلزلة الأرض والأخذ بالثأر، وكيف لا والشهيد ملازم أول عمر فهمي عمر من خيرة الشباب وابن عميد العائلة. فما كان من كبير المقام إلا أن يحسم الأمر بفطنة الكبار، وهو يعلم أن الجميع سيمتثل له، وأنهم رغم الغضب لن يجرؤ أحد على مجرد التفكير في مخالفة ذلك.

كان هذا الحادث الأليم بمثابة غصة في قلب “شيخ الإذاعيين”. اعتزل بعدها العمل النيابي مكتفيا بدوره كرمز إعلامي واجتماعي في الصعيد، وظل يحمل لقب “عميد القبيلة الهمامية” في نجع حمادي حتى وفاته في الأربعاء الموافق 25 فبراير 2026 عن عمر ناهز 98 عاما.

رحل العم والخال فهمي عمر وترك لنا إرثا من النبل يتجاوز حدود الأثير والميكروفون. ترك لنا درسا صعيديا بليغا في كيفية أن يكون الكبير كبيرا بموقفه لا بمنصبه، وبصفحِه لا ببطشه. لقد مات عمر الصغير ليحيا بعده آلاف الشباب بفضل حكمة أبيه، وغاب عمر الكبير بعد أن أثبت أن صوت العقل أقوى من دوي الرصاص.

رحل من علمنا أن الزعامة ليست مقعدا في برلمان، بل هي موقف يحيي نفوسا ويطفئ نيرانا.

فهل يجود زماننا بمثل فهمي عمر؟ رجل حمل الميكروفون بأمانة المسؤولية، وحمل هم أبناء دائرته بقلب الأب، وغادر دنيانا وسيرته تشبه صوته… نقية، رصينة، وباقية لا تغيب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.