د. نور الشيخ يكتب | حرب البستاشيو
في ليلة من ليالي الصيف الدافئة، والبدر مكتمل، والنسيم يغمر الأجواء، وتتمايل معه أوراق الشجر في تناغم رائع، وبدون سابق إنذار أو مبرر أو توقع، أمطرت السماء في الليالي الدافئة بيستاشيو، أمطرت حتى أصبحت الحياة عبارة بيستاشيو وأي شيء آخر.
في عصر ما قبل شوكولاتة دبي، وقبل ظهور ها على يد مبتكرتها رائدة الأعمال البريطانية المصرية سارة حمودة (38 عاما) عام 2021 سعيا منها لتجاوز “الشوكولا التقليدية”، مستوحيةً فكرتها من رغباتها أثناء الحمل، كان هناك ما يسمى الفستق.
كانت البشرية تتعامل مع الفستق على أنه نوع من أنواع المكسرات ذات الطابع الفاخر وتتفاوت أنواعه وأسعاره ما بين الأمريكي والإيراني والتركي والصيني، وكان رب الأسرة ينتظر عودة أخيه من الخارج، ليجلب له قرابة النصف كيلو من الفستق على ربعين، وأن لم يكن له من الأقرباء في الخارج، كان يذهب إلى المقلة بكل عظمة وكبرياء، ويحدث البائع بكل ثقة عن رغبته في شراء ربع فستق حلبي على ثمنين.
ومع الغزو التجاري السوري مصر عقب ثورات الربيع العربي، أصبح ظهور الفستق أكثر شيوعا وتنوعا في محال الحلوى السورية، وانتقلت منه إلى محال الحلوى المصرية، وصمد منها من صمد وذاب في غياهب التغيير من ذاب، وأصبحت محال الحلوى في مصر منقسمة إلى قسمين محال الحاج رضوان بالشهد والدموع التي تحتفظ بعراقتها وهويتها ومحال قبل استحواذ حافظ رضوان عليها، ومن بعده تابعه الغادر، حجازي الذي مسخ هويتها وشرقيتها.
حتى وصل بنا الحال اليوم باختفاء الفستق، وظهور البيستاشيو، ونبات البيستاشيو يتميز بغزارة إنتاجيته كسائل أخضر اللون، يتم استخدامه في كل مناحي الحياة، مشروبات ومأكولات وحلويات، حتى الفول والكحك لم يسلم من طوفان البيستاشيو.
وأنا هنا لا أتحدث عن البيستاشيو، فلست مؤهلًا من أكاديميات الفوود بلوجور لأتحدث عن لذوجة وسيولة البيستاشيو، ولم أتقاض يوما أجرا من أجل ان أتذوق الطعام بشكل دعائي بحت، ولكن أتحدث عن قدرة التريند في تغييب العقل لدرجة تتجاوز الانسياق وراءه، وتصل إلى مرحلة الانخراط داخلة.
أتحدث عن التريند كقاتل للإبداع كقاتل للهوية كقاتل للإنسانية والعقل والتفكير والتذوق والإحساس، التريند هو القاتل المأجور لهذا العصر، أصبح العالم في حالة تقليد مستمرة مستدامة لكل ما هو تريند، حتى لم يعد بيننا مبدعين، وأن تصادفت يوما مع مبدع إعلم جيدا أنه لم يقع تحت تأثير التريند بعد.
ولكن، هل خاب واندثر كل من يركب ركاب التريند؟ هل اختفي أهل الجودة والعراقة ورائحة الزمن الجميل؟
عودة مرة أخرى للحلويات تجد أنه ما زال الحلواني التقليدي صاحب التاريخ يتصدر عرش المبيعات والمصداقية، تلك المعادلة الصعبة التي ذابت منذ انفجار بركان التريند فلم تعد هناك جودة أو مصداقية مع وجود التريند.
لم تسلم الماركات العالمية من ركوب التريند في شوكولاتة دبى، في محاولة منها للحفاظ على الجودة والمصداقية والتريند على حد سواء.
وفى إبداع الحلويات تجد أحد العلامات التجارية الشهيرة، لم يستجب للتريندات، وقرر أن يطور من حلو عيش السريا، وأصبحت على قمة هرب مبيعاته علاوة على الجودة والمصداقية، ومن أجل هذا كانت سنه الحياة، الإبداع والإنتاج والجودة، أما تحكم التريند في عقول وعواطف وشهوات البشرية زاد من تسطيح الإنسانية، وأصبحت حياة آلية كاملة تسهل من مهمة الذكاء الاصطناعي للتحكم فيها.
وأنا هنا لا أتحدث عن الحلويات، ولكنى أتحدث عن تدنى إرادة البشرية واندثار تفكيرها، وأصبحت الحياة تحت شعار ، أنا أقلد.. إذا أنا موجود.