رانية مرجية تكتب | الدجل الرقمي في زمن فائض التكنولوجيا

0

الدجل الرقمي في زمن فائض التكنولوجيا
رانية مرجية

لم يعد الدجل في العصر الرقمي ممارسة هامشية أو طقسًا معزولًا عن السياق الاجتماعي، بل تحوّل إلى ظاهرة ثقافية مركّبة، تستثمر في التكنولوجيا، وتستند إلى خطاب نفسي وديني بالغ الذكاء، وتجد في القلق الإنساني المعاصر تربةً خصبة للانتشار. إن ما يُسمّى اليوم بـ«الدجل الرقمي» لا يمكن فهمه بوصفه انحرافًا عابرًا في استعمال الوسائط الحديثة، بل باعتباره مرآةً لأزمة أعمق تطال بنية التفكير، وحدود العقل، ومعنى الإيمان في زمن التكنولوجيا.
كان من المفترض أن يؤدّي الفضاء الرقمي، بما يتيحه من وفرة معرفية وسهولة في التحقّق، إلى ترسيخ التفكير العلمي، وتقويض الخرافة. غير أنّ المفارقة الصادمة أنّ التكنولوجيا لم تُنهِ الوهم، بل أعادت إنتاجه في صيغ أكثر إقناعًا وانتشارًا. فالصورة، والبث المباشر، وعدد المتابعين، صارت أدوات تمنح الدجل سلطة رمزية، وتحوّل الدجّال إلى «خبير»، و«معالج»، و«مرشد روحي»، في نظر جمهور يبحث عن الطمأنينة أكثر مما يبحث عن الحقيقة.
في هذا السياق، يبدو السؤال حول ما إذا كان الدجل الرقمي تعبيرًا عن فراغ روحي أم عن هشاشة التفكير العلمي سؤالًا مشروعًا، لكنه ثنائيّ ومُضلِّل في آن. فالفراغ الروحي موجود بلا شك، غير أنّه لا يتحوّل إلى خرافة إلا حين يلتقي بعقل غير مُدرَّب على الشكّ والتحليل. إنّ هشاشة التفكير العلمي هي التي تسمح للوهم بأن يتقدّم، وللدجل بأن يرتدي أقنعة دينية أو «علمية» زائفة.
واللافت أنّ الدجل الرقمي لم يعد يستهدف الفئات الهشّة وحدها، بل اخترق صفوف المتعلّمين والنخب، ما يكشف خللًا بنيويًا في مفهوم التعليم ذاته. فالتعليم، في كثير من تجاربه، راكم معلومات ولم يُنتج عقلًا نقديًا. والعقل الذي لا يمارس الشكّ، ولا يربط الأسباب بالنتائج، ولا يميّز بين الإيمان والخرافة، يبقى عرضة للوهم، مهما علا مستواه الأكاديمي.
أما توظيف الدين في الدجل الرقمي، فهو أخطر وجوه الظاهرة وأكثرها التباسًا. فحين تُستعمل تلاوات القرآن الكريم، أو الرموز الدينية، كخلفية لتسويق أدوية وهمية أو خدمات شعوذية، فإننا نكون أمام استغلال ممنهج للمقدّس، لا خدمة له. هنا يتحوّل الدين من منظومة قيم ومعنى، إلى أداة تأثير نفسي، تُعطّل العقل بدل أن توقظه، وتستثمر الخوف بدل أن تهذّبه.
إنّ خطورة الدجل الرقمي لا تكمن فقط في ضحاياه المباشرين، بل في أثره العميق على الوعي الجمعي، خصوصًا لدى الأجيال الصاعدة. فهو يرسّخ عقلية الاتكال، ويقوّض الثقة بالعلم والطب، ويُشجّع على البحث عن الحلول السحرية بدل الفهم والمسؤولية. وبهذا المعنى، يصبح الدجل الرقمي تهديدًا ثقافيًا ومعرفيًا، لا يقلّ خطورة عن أشكال التضليل الأخرى.
من هنا، لا يمكن للمثقّف الحقيقي أن يكتفي بالمراقبة أو السخرية. فالمعركة ليست مع الجهل وحده، بل مع الخوف، والقلق، وسوء فهم الدين، وفشل النخب في جعل العقلانية ممارسة يومية لا خطابًا نخبويًا. إنّ فضح الدجل، وتفكيك آلياته، وتبسيط التفكير العلمي، مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون فكرية.
في المحصّلة، لا يمثّل الدجل الرقمي انحرافًا تقنيًا، بل انكشافًا حضاريًا: انكشافًا لأزمة معنى، وأزمة عقل، وأزمة ثقة بالعلم. ومواجهته لا تكون بالقمع ولا بالاستهزاء بالضحايا، بل ببناء إنسان يمتلك عقلًا نقديًا، وروحًا واعية، وإيمانًا ناضجًا يرى في العلم شريكًا في فهم الوجود، لا خصمًا له.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.