ريهام المهدي تكتب | ميلاد السيد المسيح

0

ميلاد السيد المسيح

ريهام المهدي

في كل مرة نستقبل فيها عام ميلادي جديد في مصر، نحتفل فيه بذكرى ميلاد السيد المسيح عليه السلام، لا بوصفه مناسبة دينية فحسب، بل بوصفه فعل انساني وطني متجدد كل عام، فبأصوات ترانيم الكنائس و اعلاء زينة شجرة الكريسماس بالشوارع والميادين، يتخطى الاحتفال مفهوم الرسالة الدينية او حتى التقويمية العابرة، لتتجسد رسالة تحمل مفاهيم قيم سماوية كرسها الأنجيل على يد نبي الله عيسى ابن مريم ، وأعلاها القرآن الكريم على يد  خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام لتحضنها أرض مصر وتنهض بها كأعمدة دولة وطنية.
من هنا فإن الاحتفال بميلاد المسيح لا يُعدُ طقساً شكلياً قاصر على طوائف شعبية محدده،  بل تجديد لبعد إنساني خاص شكل نسبج وطن واحد لا تميير فيه ولا إقصاء، وطنٌ يحمل رسالة واضحة بعنوان ” أن الأديان في مصر لم تأت لتتصادم بل للتتعايش وتتكامل فيما بينها لتكون نسيج واحد لا تفرقة فيه ولا اختلاف”.
اتذكر جيداً مادة( احكام شريعة غير المسلمين )التى كانت مقررة علينا بالفرقة الثالثة بكلية الحقوق، وكم كانت شيقة لما ورد فيها من تفسيرات بالتلمود والكتاب المقدس من آيات عدد واصحاح، خاصة بانجيل لوقا البشير، اذكر منها من ذكرته بالنسبة لنشر مفاهيم التسامح والمحبة، وصية نبي الله عيسى لأتباعه وتلاميذه أن المحبة ليست خياراً بل فريضة أخلاقية فجاء نص ذلك في انجيل يوحنا 13: 43. 37 ( أُعطيكُم وَصيّةً جَديدةً: أحِبّوا بَعضُكُم بَعضًا. ومِثلَما أنا أحبَبْتُكُم أحِبّوا أنتُم بَعضُكُم بَعضًا فإذا أحبَبْتُم بَعضُكُم بَعضًا، يَعرِفُ النّاسُ جميعًا أنّكُم تلاميذي)
ولم تكتفى نصوص الانجيل عند حد هذه الوصية بحسب بل كان هناك العديد من الآيات تؤكد نفس هذه الرؤيا من تعاليم للمسيح بأن المحبة أساس وجوهر  للعلاقات الانسانية الخالصة التي تقوم عليها الشريعة المسيحية بإنجيل متى 5: 9 (طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعَون).
وعلى الجانب الأخر من الشريعة الإسلامية نجد أن القرآن الكريم تلاقى مع نفس تلك التعاليم في نقطة واضحة اسفرت عن ثلاث ركائز أساسية وهي: المساواة بين الجميع والحفاظ على كرامة الإنسان، وحرمة دم الأخرين، ووجوب التعايش مع الأخر بأمن وسلام، فجاء قول الله تعالى بالآية 13 من سورة الحجرات في القرآن الكريم  “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” ويتزامن ذلك مع تشريف خاص للسيد المسيح عيسى ابن مريم وأمه السيدة مريم العذراء داخل نصوص وتعاليم الدين الأسلامي فكان تكريمهما و التشريف بهما تكريماً جلياً يليق باسم نبي ورسول لله  حامل عقيدة رسالة سماوية، فجائت سيرتهما جزءاً أصيلاً من العقيدة الإسلامية، مع إحتفاء و ذكر خاص لسيدة مريم بسورة كاملة تحمل اسمها (سورة مريم )، في دلالة واضحة على قدسية وعظم مقامها بالإسلام، فجائت (الأيه 45) من سورة آل عمران( إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ. )، ثم يأتي نص قرآني بنفس السورة، يختصر مفهوم رسالة المسيح عليه السلام، في أولى كلماته (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا. وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَتِي وَلَمۡ يَجۡعَلۡنِي جَبَّارٗا شَقِيّٗا. وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا. ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ قَوۡلَ ٱلۡحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمۡتَرُونَ. الآية( 31: 34) سورة آل عمران.وبذلك بدأت رسالة نبي الله عيسى ابن مريم بالسلام واختتمت بالسلام، ومازالت حتى يومنا هذا مستمرة دعوة ممتده لنشر مفاهيم المحبة والسلام على مدى تعاقب الأجيال، ومن هنا لا عجب أن يأتى حرص السيد رئيس الجمهورية، على حضور قداس عيد الميلاد المجيد كل عام بالكنيسة الأرثوذكسية بالقاهرة، على رأس الأولويات منذ توليه مقاليد الحكم بمصر، لا مجرد لفتة بروتوكولية، بل فعلاً سياسياً ذو ثقل ودلالة عميقة نابعة منه كمواطن قبل أن يكون على رأس هذه الدولة، بأن الوحدة الوطنية بمصر ليست شعاراً يتردد فقط عند الأزمات بل هى عقيدة راسخة تتوغل في نسيج شكل وفكر وطبع مفهوم هذا الشعب الذي لا يكل ولا يمل في أن يرددها باعتياد طبيعي وفخر.إن الاصرار على الاحتفال بميلاد السيد المسيح عليه السلام كل عام بتهاني متبادلة بين جميع أطياف الشعب، في بلد كمصر حملته واحتضنته هو وأمه السيدة العذراء، هو احتفال بمدى تأصيل جذور التاريخ الديني بأرض مصر المقدسة، تلك الأرض التي شكلت وطن واحد لشعب واحد،  لا أرض طوائف متفرقة ، وطن سيظل متماسكاً وصامداً، مهما بلغت محاولات الفتنة والعبث و التفتيت. وطن عرفت فيه المحبة والسلام معاً وعرفه العالم رمز للوحدة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.