سمير حنا يكتب | “كلوديا كاردينالي”.. أيقونة السينما (1-2)

0

“كلوديا كاردينالي”.. أيقونة السينما (1-2)
سمير حنا

رحلت بهدوء أيقونة السينما في ستينيات القرن الماضي، الممثلة الإيطالية كلوديا كاردينالي Claudia Cardinale عن عمر ناهز 87 عاما في مدينة نيمور (فرنسا) حيث كانت تعيش. الممثلة التي متدت مسيرتها الفنية لأكثر من ستين عامًا، تاركة بصمة خالدة في تاريخ السينما.
كلود جوزفين روز كاردينالي، الشابة التي أصبحت ممثلةً بالصدفة، كانت الصدفة وربما الضرورة هما ما دفعا كلوديا الشابة التي تتكلم اللغة الفرنسية المولدة في تونس في 15 أبريل/نيسان 1938، الى عالم السينما. قالت مرة ” كنت صغيرة جدا، عنيفة، متواضعة، جامحة، ولم تكن لديّ أدنى رغبة في عرض نفسي في مواقع التصوير.”.
وُلدت كلوديا، لعائلة صقليّة، كان والدها مهندس سكك حديدية يعمل في تونس. كانت الأكبر بين أربعة أطفال، اختيرت عام 1957، بعد عام من استقلال البلاد، وكانت في السابعة عشرة من عمرها “أجمل امرأة إيطالية في تونس”. حصلت على رحلة إلى مهرجان فينسيا السينمائي كجائزة، وبسرعة ركزت كاميرات المصورين على هذه الفتاة الجميلة، وهي تجلس على البحيرة مرتدية بيكيني من تصميم والدتها. مما أتاح لها بسرعة الحصول على عقود أفلام، ولا سيما بفضل فرانكو كريستالدي Franco Cristaldi، الذي كان مرشدها لعدة سنوات والذي تزوجته لاحقًا.
ظهرت لأول مرة وهي لا تزال طالبة في الثانوية بدور كارميلا، أخت ميشيل احد أفراد العصابة بفيلم “المشتبه بهم “المعتدون” I soliti ignot إخراج الايطالي ماريو مونيتشيلي Mario Monicelli مع فيتوريو كاسمان ومارسيلو ماستروياني وتوتو، وهو فيلم روائي طويل أرسى قواعد الكوميديا الإيطالية. ثم مثلت في نفس السنة في فيلم “جحا” بدور صغير الى جانب الممثل المصري عمر الشريف للمخرج جاك باراتييه Jacques Baratier. عرض في مهرجان كان عام 1958.
تقول كلوديا لم تكن تبدو واثقة تمامًا من ادائها حتى أول دور درامي مهم لها في فيلم ” عملية احتيال ملعونة” Un maledetto imbroglio عرض عام 1959، ونال استحسان النقاد فورًا. بدأت تفهم وتُقدّر مهنة التمثيل حقًا بفضل التقارب الذي نشأ بينها وبين المخرج بييترو جيرمي Pietro Germi، تقول “كان بييترو جيرمي أول من علّمني معنى التمثيل”. “كان بجانبي، أثناء تصوير الفيلم، وشرح لي، مشهدًا تلو الآخر، معناه، وما كان عليّ التعبير عنه . ولأول مرة، معه شعرت بالراحة أمام الكاميرا، وبدأت أفهم أنني أستطيع التناغم مع تلك العين الساهرة عليّ …. بدأت أعتبر الكاميرا صديقًا، شريكًا لي” ، ولكن الأهم من ذلك كله، “أنني في التمثيل، استخدمتُ الكثير من ذاتي، وأن طريقتي في التمثيل كانت أن أضع نفسي في قلب شخصياتي. مهنة صناعة الأفلام ليست للهروب من الحياة، بل لعيشها بشكل أفضل من الحياة الحقيقية، ولو بمزيد من الإخلاص والوعي”.
وعندما مثلت في فيلم أنتونيو الجميل Il bell Antonio للمخرج ماورو بولونيني Mauro Bolognini وقع في غرامها مارسيلو ماستروياني 1960، وأحد اجمل “أفلام حياتها” هو “فيلم الفتاة ذات الحقيبة” La Ragazza con la valigia للمخرج فاليريو زورليني Valerio Zurlini، عام 1961 حيث تلعب دور أيدا، وهي أم غير متزوجة تغني وترقص لكسب عيشها وتلتقي بجاك بيران، وهو ابن عائلة طيبة والذي سئم منها بسرعة.
وسرعان ما أصبحت نجمة عالمية، وشاركت في أفلام كلاسيكية الى جانب الممثل آلان ديلون وشكلا معًا أحد أكثر الثنائيات شهرة في تاريخ السينما الأوروبية، كما نجدهما في فيلمي “روكو واخوته” Rocco e i suoi fratelli، بدور جينيتا الى جانب ريناتو سلفاتوري، آني جيراردو، عام 1960 فاز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان فينيسيا وبدور رائع أنجليكا في “الفهد” Il Gattopardo حصل على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي عام 1963، وهما تحفتان فنيتان للمخرج الكبير لوكينو فيسكونتي، ويُعتبران من أشهر الأفلام الإيطالية على مر العصور. ومع مخرج كبير اخر مثلت كلوديا مع فيديريكو فيليني بدور كلوديا في فيلم “ثمانية ونصف” Otto e mezzo، وأدت الشخصية باللغة الإيطالية وبدون دبلجة، بناءً على أوامر المعلم فليني، لأول مرة رغم وجود لكنة فرنسية، فاز الفيلم بجائزتي أوسكار وجائزة أفضل فيلم في مهرجان موسكو السينمائي الدولي عام 1963، وحظي بإشادة واسعة من قبل النقاد، وسرده غير الخطي، وأسلوبه البصري المبتكر. ويُعتبر من أعظم الأفلام على الإطلاق.
في عام 1962، برزت شهرتها في فرنسا بفضل فيلم “كارتوش” Cartouche للمخرج الفرنسي فيليب دي بروكا Philippe de Broca الذي شاركت فيه بدور جميل. كارتوش مستوحى من شخصية لوي دومينيك كارتوش، لص وزعيم عصابةٍ لاحقا، كان يمارس نشاطه في باريس في أوائل القرن الثامن عشر. نتابع مغامرات هذا اللص الذي يجسد دوره جان بول بلموندو، سريع الغضب، وعصابته من قطاع الطرق. بينما تُجسّد كلوديا كاردينالي دور فينوس، الشابة البوهيمية المتألقة، المفعمة بالحيوية والسحر. خلال كمين، تُضحي بنفسها لإنقاذ حبيبها كارتوش. تُمثّل هذه أول ثنائيٍ لها مع بلموندو، وهكذا ضمنت نجاحًا شعبيًا وانتشاراً مضمونًا في قلوب عشاق السينما من الفرنسيين.
اختارها المخرج سيرجيو ليوني للتمثيل في فيلم ويستيرن “ذات مرة في الغرب ” C era una volta il West، عرض عام 1968. تؤدي كلوديا كاردينالي دور جيل ماكبين أرملة شابة طيبة القلب، وهي الشخصية الأنثوية الوحيدة في الفيلم. ويؤدي جيسون روباردز دور المغامر. ويؤدي هنري فوندا دور فرانك قاتل لا يرحم استأجره رئيس شركة السكك الحديدية (كابرييل فيرزيتي) لإزالة أي عقبات قد تعيق بناء السكة، ويؤدي تشارلز برونسون دور الرجل عازف الهارمونيكا، منتقم غامض ومجهول الهوية. في المشهد ما قبل الاخير من الفيلم يخاطب اللص اللطيف كلوديا كاردينالي المتألقة، وهو على وشك الموت برصاصة في بطنه، قائلاً لها: “أنتِ لا تُدركين مدى اللذة التي يمكن أن يجنيها الرجل من النظر إلى فتاة مثلكِ. مجرد النظر إليها… وإذا قرر أحدهم أن يقرص مؤخرتكِ، فتصرفي وكأن الأمر ليس بهذه الجدية: سيكون سعيدًا”. حقق الفيلم نجاحًا باهرًا عالميًا، ولا يزال، بعد أكثر من خمسين عامًا من إصداره، تحفة فنية خالدة، تُعززها موسيقى إنيو موريكوني.

مثّلت كلوديا في مجموعة واسعة من أنواع مختلفة من الأفلام: من الكوميديا الإيطالية إلى أفلام الويستيرن، ومن الدراما الاجتماعية إلى الملاحم التاريخية، ومن أفلام المافيا إلى أفلام الحرب، ومن كوميديا هوليوودية إلى أفلام المغامرات الفرنسية، بالإضافة إلى عملها أحيانًا في الموسيقى والمسرح والتلفزيون. ظهرت في ما يقارب 150 فيلمًا، بعضها يُعتبر من أهم أعمال المخرجين الكبار.

وتوالت الأدوار المعروضة عليها حتى صار لديها فيلموغرافيا استثنائي نراها مع ممثلين كبار جون واين وريتا هايورث في الفيلم الكوميدي الدرامي “عالم السيرك” Circus World. للمخرج الامريكي هنري هاثاواي Henry Hathaway عرض عام 1964. جسدت كلوديا شخصية الأميرة دالا في فيلم اميركي ” النمر الوردي” The Pink Panther للمخرج Blake Edwards الى جانب ممثلين نجوم بيتر سيلرز وديفيد نيفن عرض عام 1964، وفي موقع التصوير، أثنى عليها الأخير إطراءً لن تنساه أبدًا: “كلوديا، مع السباغيتي، أنتِ أعظم اختراع إيطالي!”. عادت إلى فيسكونتي باداء دور زوجة اميريكية ساندرا دودسون مع فيلم ” نجوم الدب الغامضة…” Vaghe stelle dell Orsa… مع الممثل البريطاني مايكل كريج عام 1965. ومرة اخرى يستعين فيسكونتي بها والى جانب برت لانكستر، بعد تسع سنوات، في فيلم “مجموعة عائلية في الداخل” Gruppo di famiglia in un interno). وايضا في 1966: مثلت مع بيرت لانكستر في “المحترفون” The Professionals، بدور ماريا كرانت، ويعتبر هذا الفيلم أفضل ويستيرن للمخرج ريتشارد بروكس Richard Brooks حيث حصل على جائزة الاوسكار عام 1967، بالاضافة الى ممثلين نجوم ؛ جاك بالانس، لي مارفن، روبرت رايان … أدت دور روزا نيكولوسي في فيلم “يوم البومة” Il giorno della civetta للمخرج داميانو دامياني Damiano Damiani، مستوحى من رواية الكاتب ليوناردو شاشا ، تم اختيار الفيلم الذي يدور حول المافيا في المسابقة الرسمية لجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي الدولي عام 1968.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.