شادي الشاذلي يكتب | الأمهات الغارمات

0

مع اقتراب الحادي والعشرين من مارس كل عام، تتزين واجهات المتاجر، وتتبارى وسائل الإعلام في الاحتفاء بـ “عيد الأم”، كرمز للتضحية والعطاء. ولكن، خلف هذا المشهد الاحتفالي المبهج، تقبع آلاف الأمهات المصريات خلف القضبان، لا ينتظرن هدايا العيد، بل ينتظرن طوق نجاة ينتشلهن من ظلمات السجن. هؤلاء هن “الغارمات”، ضحايا الفقر، وغياب الوعي، وقسوة بعض الثغرات التشريعية.
في كل مرة تُطرح فيها قضية الغارمات، يتجه الخطاب العام نحو “الحلول الخيرية”، المتمثلة في جمع التبرعات لسداد الديون وفك الكرب. ورغم نبل هذه المبادرات وعظمتها، إلا أنها من منظور قانوني ومؤسسي تظل “مسكنات مؤقتة” لا تعالج جذور المرض. فالمشكلة الحقيقية تكمن في الاستغلال المتعسف لأداة قانونية وُضعت لحماية الحقوق، وهي “إيصال الأمانة”.
في العرف القانوني المصري، يُعد إيصال الأمانة ورقة جنائية تثبت “خيانة الأمانة”، وعقوبتها الحبس. الكارثة تحدث عندما يقوم التجار بتحويل هذه الأداة الجنائية إلى أداة ضمان “مدنية” لبيع السلع بالتقسيط (كالأجهزة الكهربائية لتجهيز العرائس). تُجبر الأم البسيطة على التوقيع على إيصال أمانة على بياض، أو بمبالغ تفوق قيمة الدين الأصلية بأضعاف مضاعفة. وعند أول تعثر في السداد، يتحرك التاجر جنائياً، لتجد الأم نفسها متهمة بتبديد أموال لم تتسلمها قط، وتتحول القضية من مجرد عجز مدني عن سداد دين، إلى جريمة جنائية مخلة بالشرف.
هذا التكييف القانوني المشوه يخلق تجارة رائجة ومقننة لـ “الديون والابتزاز”. التاجر يضمن أمواله بسيف الحبس المسلط على رقاب الأمهات، والمجتمع يدفع الفاتورة من تفكك أسري وتشريد للأطفال.
نحن اليوم لسنا بحاجة إلى المزيد من التبرعات بقدر حاجتنا الماسة إلى “تدخل تشريعي” حاسم. يجب تعديل المنظومة القانونية لتجريم استخدام “إيصالات الأمانة” في المعاملات التجارية والبيع بالتقسيط، وقصر التعامل فيها على أوراق تجارية بحتة تخضع للقانون المدني والتجاري، بحيث يكون التعثر فيها سبباً للمطالبة المدنية، وليس السجن الجنائي.
أعظم هدية يمكن أن يقدمها المُشرع المصري للأمهات في عيدهن، هي سد هذه الثغرة القانونية، لحماية أسوار الأسرة المصرية من الانهيار تحت وطأة الديون. فليست كل من تعثرت في سداد ثمن “ثلاجة” ابنتها، مجرمة تستحق السجن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.