يمر المشهد المصري بلحظة تاريخية فارقة، بطلها جيل جديد لم يعد يكتفي بمقعد المشاهد، بل قرر الانخراط في صناعة القرار برؤية تجمع بين حداثة العصر ورصانة الدولة. هذا الجيل، الذي يمثل القوة الضاربة في الديموغرافيا المصرية، استطاع أن يخلق واقعاً اجتماعياً وسياسياً يتجاوز الأنماط التقليدية، فارضاً حضوراً لا يمكن تجاوزه.
اجتماعياً، نحن أمام جيل “الاستحقاق والابتكار”؛ جيل أعاد صياغة مفهوم النجاح بعيداً عن القوالب الجاهزة. لقد استبدل الشباب المصري ثقافة “الانتظار” بثقافة “المبادرة”، فنمت روح ريادة الأعمال وتراجعت البيروقراطية في وجدانهم أمام طموح الانطلاق العالمي. هذا التحول لم يكن اقتصادياً فحسب، بل هو تحول قيمي وضع “الإنسان” وصحته النفسية وقدرته على التغيير في قلب الاهتمامات المجتمعية.
سياسياً، تجلت أبهى صور هذا التحول في تجربة “تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين”، التي مثلت “المختبر الحقيقي” لتمكين الشباب. لقد نجحت هذه التجربة في كسر حالة الجمود السياسي، وجمعت أطيافاً متباينة من الأيديولوجيات (يميناً ويساراً ووسطاً) على مائدة وطنية واحدة. وتأثيرها لم يقف عند حدود الحوار، بل امتد ليكون ضخاً لدماء جديدة في شرايين الدولة؛ فرأينا كوادرها في البرلمان، وفي الحقائب التنفيذية كنواب للمحافظين والوزراء، مما قدم نموذجاً “للسياسي الشاب” الذي يمتلك الأدوات العلمية والروح الوطنية.
لقد أثبتت هذه التجربة أن تمكين الشباب ليس “منحة”، بل هو ضرورة حتمية لتطوير الأداء السياسي. فمن خلال التنسيقية وغيرها من منصات الحوار، انتقل الشباب من نقد السياسات من بعيد إلى المشاركة في صياغتها من الداخل، مما خلق توازناً فريداً بين “حماس التغيير” و”مسؤولية الإدارة”. هذا الانخراط السياسي الواعي ساهم في تقليص الفجوة بين الأجيال، وأكد أن لغة الحوار هي البديل الأنجع لصدام الأفكار.
إن مصر في بدايه عام 2026 تراهن على هذا الجيل الذي يجمع بين “إرث الجذور” و”آفاق الرقمنة”. إنهم جيل لا يبحث عن الصدام، بل عن “المساحة”؛ مساحة للعمل، للتفكير، وللمشاركة في رسم ملامح مستقبل يليق بمصر. ومع وجود نماذج نجاح حقيقية على أرض الواقع، يصبح الطريق ممهداً لتحويل طاقة الشباب من “قوة كامنة” إلى “قوة قائدة” تقود قاطرة التنمية والسياسة في الجمهورية الجديدة.