يبرز الفيلم الوثائقي Keep on Keepin’ On للمخرج “آلان هيكز” كتحفة إنسانية فنية، تسلط الضوء على العلاقة العميقة بين موسيقيَيْن من جيلين مختلفين، متحدّين المرض، والظروف، بل وحتى العمى، عبر الإيمان والموسيقى.
هذا الفيلم لا يقدّم سردًا نمطيًا لحياة “كلارك تيري”، أسطورة الجاز، بل يغوص في أرشيفه الحي، من خلال حوارات نابضة، وصور عفوية، ومشاهد وثائقية تجسّد قوة الإرادة والروح. فالماضي هنا ليس مجرد حكاية، بل امتداد حيّ للحاضر، وتواصل بين أجيال تشارك الهدف نفسه، وإن اختلفت أدواتها وظروفها.
كلارك تيري” في صراعه مع المرض، لم يتوقف عن العطاء، بل استمر كأبٍ فكري، يزرع المعرفة الموسيقية في عقل شاب أعمى – “جاستن كوفلن” – ليمتد أثره عبر أجيال من المتعلمين. “هذا الرجل علّم آلاف الطلاب، الذين علّموا آلاف الطلاب، الذين سيعلّمون آلاف الطلاب” – جملة ثلاثية كثيفة تختصر فلسفة الفيلم، وتُبرز كيف تتحوّل الخبرة إلى إرث، لا بالاستنساخ، بل بالإبداع الذي ينمو ويتجدّد.
الفيلم لا يعتمد على الدراما المصطنعة، بل ينحت مشاهده بلحظات صادقة، تسكنها نغمة، أو صورة، أو همسة من الزمن. الكاميرا تقترب من ملامح العجوز، ومن أنامل الشاب، وتُمسك بالضوء والعتمة كما تمسك النغمة بالحسّ، ليكون الإيقاع هنا ليس مجرد صوت، بل تجسيدًا للروح البشرية.
ما يجعل الفيلم فريدًا هو هذه العلاقة الروحية العميقة بين المعلّم وتلميذه، بين الحياة والموسيقى، بين الجاز والبيانو. فأن تصنع لحنًا يُحَسّ، وتترجمه الأنامل والنَفَس بتناغم داخلي، هو بحد ذاته معجزة، لا تحدث إلا حين يكون الفن نابعًا من الذات.
“جاستن كوفلن”، الشاب الذي تخطّى العمى، وتجاوز مرحلة الهواية إلى الاحتراف، لم يكن ليفعل ذلك دون دفء “تيري”، الذي لم يعلّمه العزف فقط، بل منحه رؤية داخلية، وقدرة على اكتشاف الذات: “يجب أن أكتشف كيف أكون أنا”. هذا الاكتشاف لم يكن مجرد تقنية موسيقية، بل رحلة فكرية وجمالية، تبدأ بالانتباه إلى الصوت الداخلي، وتستمر بالاستماع إلى نقد الذات والآخر.
الفيلم لا يخلو من لحظات التأمل والوجدان. لحظات يخرج فيها اللحن عشوائيًا، كشتات نفسيّ يعبّر عن الحياة. وفي لحظة حاسمة، يمنح العجوز المريض نغمةً للشاب الأعمى، فيدخل بها مسابقة عزف. هنا، يتجلّى العطاء في أرقى صوره، حتى في لحظة الرحيل.
تقنيًا، يتعامل الفيلم مع الضوء والعدسة ببراعة، دون مبالغة في التوسيع أو الاستعراض. الكادرات مركّزة، موسيقية هي الأخرى، ترصد الشخصيات بخصوصية شديدة، وكأن العدسة تتحسس الروح قبل الجسد.
الفيلم ينجح في دمج تكتيك آلة الجاز بمرونة البيانو، ويُبرز عبر اختلاف الأجيال اختلاف النغمات، لكنه يُؤكّد في الوقت نفسه على وحدة الهدف والوجدان. هذه الحكاية الإنسانية، التي تدور بين شيخوخة متعبة وشباب طامح، لا تطرح فقط دراما موسيقية، بل فلسفة في الحياة: لا استسلام، بل فرح، تخيّل، واستمرار.
“أوقف كل شيء وابدأ بكل شيء في نفس الوقت” – جملة تختصر روح الفيلم. فحتى في لحظات المرض والشيخوخة، يمكن للفن أن يكون عزاءً وولادة جديدة. كلارك تيري، وهو على فراش المرض، لم ينسَ أن يمنح الحياة لمن أحبهم، بصوت نغمة، أو لمسة عزف، أو بسمة حكمة.
Keep on Keepin’ On ليس مجرد فيلم وثائقي، بل وثيقة حبّ بين الفن والإنسان، بين المعلم والتلميذ، بين الجسد الذي يفنى، والروح التي تظل تعزف.