عادل محمد عادل يكتب | الدور المصري.. من دافوس إلي الإقليم
لم يكن ما جرى على هامش منتدى دافو الاقتصادي العالمي لقاءً بروتوكوليًا عابرًا، بل عكس
مشهدًا سياسيًا بالغ الدلالة، يؤشر إلى عودة مصر للقيام بدور محوري في إدارة التفاعلات
الدولية والإقليمية. فقد كشف لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي مع الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب عن تحول واضح في طبيعة العلاقات المصرية–الأمريكية، من إطار التنسيق التقليدي إلى
شراكة استراتيجية أوسع تقوم على تلاقي المصالح وتكامل الأدوار.
طرحت القيادة المصرية رؤية واضحة مفادها أن العلاقات الثنائية لا يجب أن تظل أسيرة إدارة
الأزمات والملفات المؤقتة، بل ينبغي تطويرها إلى شراكة شاملة تشمل الأبعاد السياسية
والاقتصادية والأمنية، بما يخدم الاستقرار الإقليمي. وفي هذا السياق، جاء الحديث عن المنتدى
ليعكس إدراكًا متزايدًا بأن الاقتصاد بات أداة مركزية2026الاقتصادي المصري–الأمريكي لعام
في السياسة الخارجية، وأن التعاون التنموي يمثل مدخلًا أساسيًا لبناء علاقات مستدامة.
كما حملت إشادة الرئيس الأمريكي بالدور المصري رسالة سياسية مهمة، تؤكد أن مصر تُعد دولة
يُعتمد عليها في إدارة التوازنات الإقليمية، لا طرفًا تابعًا أو قابلًا للضغوط. ويعكس ذلك نجاح
الدبلوماسية المصرية في ترسيخ صورتها كقوة استقرار في إقليم يعاني من اضطرابات مزمنة
وتنافسات حادة.
وتبرز فاعلية هذا النهج بشكل أكثر وضوحًا في الملف الفلسطيني، ولا سيما أزمة غزة. فمنذ بداية
التصعيد، تمسكت مصر برؤية متكاملة تقوم على وقف الحرب، ورفض التهجير القسري، وضمان
إدارة فلسطينية وطنية للقطاع، إلى جانب إطلاق عملية إعادة إعمار متزامنة مع مسار سياسي
شامل. ومع تطور الأحداث، تحولت هذه الرؤية تدريجيًا إلى أساس للتحركات الدولية، وهو ما
يعكس قدرة القاهرة على تحويل الطرح السياسي إلى خطة عملية قابلة للتنفيذ.
ويمتد الأسلوب ذاته إلى تعاطي مصر مع أزمات الإقليم الأخرى، خاصة في السودان ولبنان. ففي
الحالة السودانية، تؤكد مصر على وحدة الدولة ورفض سيناريوهات التقسيم والفوضى، مع الدفع
نحو هدنة إنسانية تمهد لحل سياسي شامل. أما في لبنان، فتتبنى القاهرة موقفًا ثابتًا يقوم
على دعم سيادة الدولة، وتمكين مؤسساتها، ورفض وجود قوى مسلحة خارج إطار الشرعية.
ويُعد ملف مياه النيل أحد أبرز القضايا الوجودية التي نجحت مصر في نقلها إلى دوائر الاهتمام
الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة. ويعكس هذا التطور اعترافًا متزايدًا بعدالة الموقف
المصري، القائم على الدعوة إلى التعاون والإدارة الرشيدة للموارد المائية، بعيدًا عن منطق الصدام
أو فرض الأمر الواقع.
ختامًا، يمكن القول إن التحرك المصري في دافوس وما تلاه يجسد نمطًا جديدًا من الدبلوماسية
الهادئة، يقوم على الصبر الاستراتيجي وبناء التوافقات وفرض الرؤى دون ضجيج. وفي عالم
مضطرب، تبرز مصر كدولة قادرة على الدفاع عن منطق الدولة الوطنية وصياغة توازنات أكثر
استقرارًا في محيطها الإقليمي والدولي