عبدالله التميمي يكتب | الاستثمار والفن التشكيلي المعاصر (1-2)

0

الاستثمار والفن التشكيلي المعاصر (1-2)
عبد الله التميمي

إن تحالف الفن والمال في فضاء العولمة الرقمية يعزز مرتبة الفن التشكيلي المعاصر في الاستثمار الذي يهدف إلى تحقيق المزيد من الربح من خلال توظيف رأس المال في الوسائطية الرقمية فعندما نسقط مفهوم الاستثمار على الفن نصل إلى مصطلح الاقتصاد الابداعي المرتبط بعجلة الانتاج للسلع وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار الفنان التشكيلي، هو صانع بالأصل يتبع مبادئ الصناعة والانتاج لجني الأرباح، والفكرة الرئيسية في علاقة الفن التشكيلي بالاستثمار تتمثل في دفع الفنان لتحويل العمل الفني التشكيلي المجرد إلى سلعة مربحة؛ ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى الفن التشكيلي المعاصر كاستثمار لأنه جزء لا يتجزأ من الصناعات الإبداعية التي تحتفظ بقيمتها وغالباً ما تزيد مع مرور الوقت وبالتالي “يعبر الاقتصاد عن تلك الصناعات الإبداعية وعن القطاع المساند للثقافة المجتمعية المرتبطة بالمكان والزمان الذي يعيش فيه الفنان كما يهدف هذا الاقتصاد بالأساس إلى استغلال الإبداع لتوليد الثروة وزيادة فرص جني الأرباح من العمل الفني المبتكر .
ونستنتج مما ذكر ان الاستثمار في الفن التشكيلي المعاصر يرتكز على فكرة ربط الانتاج الرأسمالي بالأبداع من أجل تحقيق المزيد من الربح. فالصناعات الفنية الإبداعية في الدول الغربية تعتبر قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، حيث يتم انتاج الفن التشكيلي المعاصر وتوزيعه من خلال الوسائطية الرقمية والتي أصبحت تحمل قيمة تجارية عالية عن طريق توسع فكرة الاستثمار في مواقع التجارة الإلكترونية ضمن إطار صناعة الصورة التشكيلية في الفضاء الإلكتروني ويؤكد على ذلك فولف “ان الصورة تعتبر مادة أولية لبناء الإدراك الحسي للصور اللغوية المهيمنة على اشكال الوعي واللاوعي للإنسان المعاصر” .
ونعتقد إن الاستثمار في الاقتصاد الابداعي بالشراكة مع القطاع الخاص المحلي يعتبر من اهم دعائم الاقتصاد الوطني، حيث تساهم تقنية تكنولوجيا المعلومات في مجال الفن التشكيلي المعاصر على زيادة في الانتاجية والنمو الاقتصادي للبلاد، كما تساهم في تعزيز كل أشكال التعبير الثقافي والتسويق الذاتي، حيث يواجه شباب هذا العصر ثورة تكنولوجية متسارعة تساهم في صقل المهارات الذاتية من خلال الانغماس في مواقع الإنترنت والهواتف المحمولة والوسائطية الرقمية ولمواكبة هذا التغير يحتم علينا أن نتصور كيف ينبثق الاقتصاد من الطاقة الإبداعية الكامنة في الفن التشكيلي المعاصر مما يؤدي إلى زيادة الانتاجية والنمو الاقتصادي العام في المنطقة.
فمع نهايات القرن العشرين شهد العالم تغيرات واسعة على جميع الأصعدة العلمية والاجتماعية والسياسية والتربوية، كل ذلك كان سبباً في توسع الرؤية المعاصرة لمفهوم الفن التشكيلي، من فكرة انتاج اللوحة “التزينية” إلى فكرة الانتاجية والوظائفية في الفن التشكيلي المعاصر، بالتأكيد كان لذلك أثر واضح في الانتعاش الاقتصادي في الدول المتقدمة، حيث تم “اعتبار الاستثمار في الفن التشكيلي واحدة من مفاتيح التنمية المستدامة، من خلال المساهمة في بناء الاقتصاد المحلي مما يجعل هذا الاستثمار يأخذ دور القيمة المضافة للاقتصاد في مجال الآدب والفنون كافة، وعلى خلفية القدرة الابتكارية لهذه الصناعة أصبحت السياسات الاقتصادية في العالم داعمه للإبداع والفن التشكيلي بصورة اكبر” .
ومنذ ما يقرب من عشرين عامًا، كان تحديد مفهوم قطاع صناعة الفن التشكيلي موضع نقاش حول ماهية رأس المال الفكري الابداعي، وأثره على القطاع الاقتصادي. وعلى الرغم من توسع مفهوم الصناعات التشكيلية مع نهاية القرن الماضي، الا ان التطور المستمر في مجال تكنولوجيا المعلومات والذكاء الصناعي، قد ساهم في “توسع دائرة هذه الصناعة لتشمل كافة محتويات الإبداع الإنساني الذي يتميز بالحرفية والمهارة العالية” ، لذلك تم اعتبار الاستثمار في الفن التشكيلي المعاصر سمة من سمات الفعل الابداعي الانتاجي، وهو العنصر الاساسي المكون لمحتوى الصناعات الاجتماعية المعاصرة القائمة على هندسة اقتصاديات المعرفة، في كافة فروع الفنون الجميلة والتصميم وصناعة الفن الرقمي .
هذا المنعطف في مفهوم مقياس القيمة الاستثمارية للصناعات الفنية يقودنا إلى اعتبار أن القيمة التشكيلية ذات دلالة على القدرة التسويقية للسلع الفنية، الا ان تبني رؤية موسعة للاستثمار في صناعة الفن التشكيلي المعاصر، قد يوسع مفهوم العولمة إلى حد كبير، ليشمل كافة المُنتجات التي يمكن ان ترتبط بها القيمة التشكيلية المضافة، إلى الحد الذي يكون فيه كل شيء ذات قيمة فنية ويصبح المفهوم العام للإبداع مرتبط بالاقتصاد الانتاجي، الذي قد يزيد من حجم الطبقة المبدعة في هذا المجال، مما يزيد من وتوظيف الأفراد الأكثر ابداعاً، هذا يعني ارتفاع الاجور للطبقة المُنتجة للمحتوى الابداعي، مما يؤدي في النهاية إلى زيادة الطلب على الأفراد الاكثر مهارة في انتاج وتسويق وتوزيع المُنتج الفني التشكيلي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.