عبد الرحيم خطاب يكتب | الفطر وعيد الأم

0

لا شكَّ أنَّ اللهَ جعلَ للمسلمين عيدين عيدَ الفطرِ وعيدَ الأضحى

إلا أنَّ المصريينَ على مرِّ التاريخِ يصنعونَ الفرحَ والبهجةَ كلما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا

فهم لا ينتظرون مناسبةً ليبتسموا بل يصنعون من أبسط اللحظات عيدًا ومن التجمعات العائلية مهرجانًا للمحبةِ والدفءِ وفي البيوتِ والشوارعِ

وفي هذا العامِ تأتي الفرحةُ مضاعفةً ويجتمعُ عيدانِ عزيزانِ على قلوبِنا في توقيتٍ واحدٍ عيدُ الفطرِ المباركُ وعيدُ الأمِّ

عيدُ الفطرِ هو فرحةُ إتمامِ الطاعةِ وفرحةُ الصائمينَ بعد شهرٍ من الصبرِ والعبادةِ حيث تمتلئُ القلوبُ بالسكينةِ وتتعانقُ الأرواحُ بالمحبةِ وتُفتحُ أبوابُ الرحمةِ والتسامحِ

وأما عيدُ الأمِّ فهو عيدٌ من نوعٍ خاصٍّ عيدٌ لا يُقاسُ بالأيامِ ولا يُختصرُ في هديةٍ بل يُجسدُ في عمرٍ كاملٍ من العطاءِ والتضحيةِ وهي التي سهرت وربَّت وتحملت وكانت دائمًا السندَ والدعاءَ

وعلى الرغمِ من تحدياتِ الحياةِ يظلُّ المصريُّ قادرًا على أن يخلقَ من الضيقِ سعةً ومن التعبِ أملًا وكأنَّ الفرحَ عنده قرارٌ لا ظرفٌ فالعيدُ ليس يومًا في التقويمِ بقدرِ ما هو حالةٌ تسكنُ القلوبَ وتجددُ في النفوسِ معنى الألفةِ والرحمةِ

ولو ظللنا تحت أقدامِها طوالَ العمرِ ما وفيناها حقَّها فلا ينبغي أن يكون الاحتفالُ بها وتذكرُها والإحسانُ إليها في يومٍ واحدٍ من العامِ وإنما يكون الإحسانُ إلى الوالدينَ منهجًا وأسلوبَ حياةٍ ولكننا ننتهزُ أيَّ فرصةٍ نستطيعُ من خلالها أن يُذكِّرَ بعضُنا بعضًا بكلِّ خيرٍ

وعندما يجتمعُ العيدانِ فإنَّ المعنى يصبحُ أعمقَ فنحن لا نحتفلُ فقط بنهايةِ رمضانَ بل نحتفلُ بمن كانت سببًا في أن نكونَ وبمن علمتنا معنى الصبرِ الذي عشناه في هذا الشهرِ الكريمِ

وفي هذا التلاقي الجميلِ ربما تكونُ أجملُ هديةٍ هي القربُ وكلمةٌ طيبةٌ وحضنٌ صادقٌ ودعوةٌ من القلبِ أو لحظةُ امتنانٍ نقولُ فيها شكرًا يا أمي

ولأنَّ الأمَّ هي الحكايةُ الأولى في حياةِ كلِّ واحدٍ منا فإنَّ العيدَ معها له طعمٌ مختلفٌ فهي التي تعلِّمنا كيف نفرحُ وكيف نتحملُ وكيف نقفُ مرةً أخرى بعد كلِّ تعبٍ وهي التي تزرعُ فينا البساطةَ التي تجعلُ من القليلِ كثيرًا ومن اللحظةِ ذكرى لا تُنسى

وقد نكبرُ وتكبرُ معنا المسؤولياتُ وتتشعبُ الطرقُ ولكن يظلُّ هناك خيطٌ خفيٌّ يشدُّنا دائمًا إلى ذلك الحضنِ الأولِ وإلى ذلك الصوتِ الذي لا يُشبهه صوتٌ وإلى دعوةٍ صادقةٍ في جوفِ الليلِ لا نراها ولكننا نلمسُ أثرَها في كلِّ خطوةٍ

فإذا كان العيدُ فرحةً تعودُ كلَّ عامٍ فإنَّ الأمَّ هي الفرحُ الذي لا يغيبُ وهي العيدُ الذي لا ينتهي وهي الرحمةُ التي تُهدى إلينا كلَّ يومٍ دون مقابلٍ

كلُّ عامٍ وكلُّ الأمهاتِ بخيرٍ وكلُّ عامٍ ونحنُ أكثرُ قربًا ورحمةً وبرًّا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.