بين هدي السنة… وواجب الواقع
رمضان ليس شهر عبادةٍ روحانية فحسب بل هو مدرسةٌ متكاملة لإعادة بناء الإنسان في علاقته بربه وبنفسه
وبالناس وبالأرض التي نعيش عليها وبالكون من حوله
ومن هنا يبرز مفهوم رمضان الأخضر
رمضان الذي يجمع بين التقوى وترشيد الاستهلاك بين الصيام وحفظ النعمة بين العبادة وعمارة الأرض
ان الناظر في السنة النبويةيجدها تؤكد على مبدأ الاعتدال والنهي عن الإسراف والحفاظ على النعمة قال رسول
الله ﷺ
”كلوا واشربوا وتصدقوا في غير سرف ولا مخيلة”
فهذا توجيه نبوي واضح بأن المعيار ليس المنع بل الاعتدال.
”ما ملأ آدمي وعاءً شرًّا من بطنه”وفي حديث اخر
وهنا تربية على ضبط الشهوة، وعدم جعل الطعام غايةً بحد ذات
وكان هدي النبي ﷺ في رمضان أبعد ما يكون عن المبالغة فقد كان يفطر على تمراتٍ أو ماء ثم يصلي
في نموذجٍ عملي للبساطة والاقتصاد في المعيشة وهذه البساطة النبوية ليست فقط تواضعًا بل رسالة تربوية
عميقة أن قيمة رمضان في صفاء القلب لا في تنوع المائدة.
كما أن مفهوم الاستخلاف في الأرض وهو أصل قرآني يتكامل مع السنة في حفظ الموارد وعدم الإفساد وإعطاء
كل نعمة حقها فحفظ الطعام وترشيد الماء وتجنب التبذير كلها تطبيقات عملية لمعنى الشكر.
إذا انتقلنا إلى واقعنا المعاصروجدنا مفارقة مؤلمة في شهر الصيام تزداد معدلات استهلاك الطعام وترتفع نسب
الهدر الغذائي بشكل ملحوظ في كثير من المجتمعات.
موائد عامرة بما يفوق الحاجة وأطعمة تُلقى دون استفادة في وقتٍ يعاني فيه الملايين من نقص الغذاء
رمضان الأخضر يدعونا إلى تحويل الصيام من عبادةٍ فردية إلى سلوكٍ مجتمعي واعٍي من خلال
التخطيط المسبق للوجبات بقدر الحاجة وتقليل المبالغة في العزائم وتوزيع الفائض على المحتاجين بدل إهداره
وتعليم الأبناء قيمة النعمة منذ الصغر وترشيد استهلاك الماء والطاقة في المنازل والمساجد.
فالاستدامة ليست مفهومًا حديثًا منفصلًا عن ديننا بل هي امتداد لقيم راسخة في السنة مثل الاعتدال
والاقتصاد والشكر والإحسان…..
فرمضان الأخضر عبادة ممتدة طوال العام
فاذا كان الصيام تدريبٌ عملي على ضبط النفس وإذا كنا قادرين على الامتناع عن المباح ساعاتٍ طويلة ابتغاء
مرضاة الله فنحن أقدر على الامتناع عن الإسراف طوال العام
فرمضان الأخضر ليس شعارًا موسميًا بل رؤيةٌ لحياةٍ أكثر وعيًا نحافظ فيها على الطعام لأنه نعمة
ونقلل الهدر لأنه مسؤولية وأن نكون قدوة في بيوتنا لأن التربية تبدأ بالفعل لا بالكلام
فليكن رمضان هذا العام بداية عهدٍ جديد
والباطنة والتحول الرشيد الي الحياة الخضراء لتأكيد مفهوم الزهد و الحد من الإسراف و التبذير وتقدير نعم
الظاهرة
نجدد فيه الروح…نصوم فيه عن الطعام… ونصوم عن الإسراف نعبد الله بالصلاة… ونشكره بحفظ نعمه
لأن المحافظة على النعمة عبادة ولأن الشكر الحقيقي يكون بالفعل قبل القولونُصلح به الأرض.
فليس الهدفُ مِن هذا المقال إطفاء نورِ الفرحةِ بهذا الشهر المبارك ولا إلقاء اللومِ علَى مَنْ يحاول إدخال السرور
علَى أهله وجيرانه وإنما الهدفُ الحثُّ علَى التصرف المسئول والاستهلاك المعقول لجعل شهر رمضان المبارك
وعيد الفطر أكثر استدامةً.