عماد الطيب يكتب | الإعلام الدولي والصور النمطية

0

الإعلام الدولي والصور النمطية
عماد الطيب

نستعرض في هذا المقال دور الإعلام الدولي في إعادة إنتاج الحرب السودانية بوصفها حدثاً استهلاكياً، وليس صراعاً طبقيّاً معقداً. تعمل الآلة الإعلامية العالمية عبر تحويل معاناة النساء والفقراء إلى سلعة تُتداول في سوق الأخبار، حيث تُختزل التجارب المعقدة للقهر الطبقي إلى صور نمطية تخدم أغراضاً ثلاثاً: تبرير التدخل الخارجي، وتجميل صورة النظام العالمي، وتحويل المقاومة إلى فولكلور منزوع السياسة. يمثل هذا التحويل استعارة إعلامية تعيد إنتاج العلاقات الاستعمارية تحت غطاء “الاهتمام الإنساني”، وتُعيد إخفاء الجذور الطبقية للحرب تحت وابل من الصور المثيرة للشفقة. الإعلام الدولي هنا لا يوثق المعاناة، بل يُنتجها كعرض قابل للاستهلاك، ويُعيد تعريف النساء السودانيات كـ “ضحايا” سلبيات بدلاً من فاعلات في صراع طبقي.

تعمل الآلة الإعلامية الغربية عبر آلية مزدوجة: من ناحية، تقدم النساء السودانيات كأجساد متألمة بلا سياق، مجردة من تاريخهن وصراعهن ومقاومتهن، ومن ناحية أخرى، تقدم المنظمات الدولية والجهات المانحة كـ “منقذات” و”حاضنات”. هذا الثنائي (الضحية السوداء/المنقذ الأبيض) يُعيد إنتاج علاقات القوة الاستعمارية، ويُخفي حقيقة أن العديد من هذه المنظمات هي نفسها أدوات للنظام العالمي الذي ساهم في خلق شروط الحرب عبر سياسات التقشف والديون. التقارير عن “المجاعة في دارفور” أو “اغتصاب النساء في مخيمات النزوح” تُقدَم ككارثة طبيعية أو “صراع قبلي”، لا كنتيجة لسياسات اقتصادية عالمية ومحلية محددة.
في المقابل، تظهر مبادرات إعلامية شعبية ومقاومة من الأسفل، مثل الشبكات الصحفية المجتمعية ومنصات التوثيق النسوي في المخيمات. نساء سودانيات كثيرات يستخدمن وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات البديلة لتقديم رواية مضادة. العديد من المدونات وقنوات اليوتيوب التي تديرها ناشطات من داخل المخيمات، تُقدم تحليلاً طبقياً للحرب، وتوثق ليس فقط المعاناة بل أيضاً التنظيم والمقاومة. هذه المبادرات تعيد ربط الأحداث بالطبقة، وتكشف عن دور البرجوازية العسكرية والاقتصاد السياسي للحرب، وتعمل على تحطيم الصور النمطية من خلال تقديم سرديات بديلة تضع النساء والعمال والفقراء في قلب تحليل الحرب.
الثورة الإعلامية جزء لا يتجزأ من الثورة الاجتماعية. فلا يمكن تحرير النساء السودانيات من اقتصاد الحرب دون تحرير صورتهن من آلة الإعلام الاستعماري. كما كتبت المناضلة الأمريكية أنجيلا ديفيس: “في مجتمع تسيطر عليه الشركات، لا يمكن فصل حرية التعبير عن حرية التحرر الاقتصادي”. في السودان اليوم، حرية إعادة تعريف المعاناة والمقاومة هي خطوة أولى نحو تفكيك النظام العالمي الذي ينتج الحرب ويستفيد منها. وكما كتب غرامشي: “المعركة من أجل الثقافة هي جزء لا يتجزأ من المعركة من أجل السلطة”. في السودان اليوم، هذه المعركة الإعلامية هي امتداد للمعركة الطبقية، ولا يمكن فصلها عن صراع النساء والفقراء ضد اقتصاد الحرب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.