فاتن نور تكتب | العاطفة في زمن الاستهلاك

0

العاطفة في زمن الاستهلاك
فاتن نور

تداعت العلاقات الإنسانية مع هيمنة الثقافة الاستهلاكية في العالم، وتوارت القيم الروحية خلف تجارة الاستعراض والتسويق الجسدي. محل الإرادة حلّت الخوارزمية؛ فهي التي تقترح، وترتّب، وتقرّر ما يستحق أن يُعرض أو ما يُدفن في غياهب العتمة الرقمية. باتت الفلترة الرقمية حليف العلاقات الإنسانية؛ فالقرب يُقاس بعدد التفاعلات، والغياب قد يتساوى بسهولة مفرطة مع غياب القيمة.
وأصبح الاستثمار الرقمي المعول الفاعل في الغابة الحضارية التي نعيشها، فحتى الفقر والظلم والاغتراب باتت قضايا لا تُعالج بقدر ما تُستعرض وتُستثمر. فكل أزمة إنسانية تتحوّل إلى فرصة سانحة لمنصّة، وكل هشاشة أو رثاثة مجالًا للربح. السلطات العالمية اليوم لا تعمل عبر القمع المباشر، بل عبر إدارة الألم وتسليعه ضمن ما يمكن تسميته بالهيمنة الناعمة.
اختيار الشريك اليوم بات يوازي غالباّ اختيار منتج، يُقاس بقيمته السوقية، بعد أن سادت فكرة “الشريك المناسب” كما تنتجها المنصّات . وهو ما يلتقي مع توصيف زيغمونت باومان لعلاقات العصر الاستهلاكي في كتابه*الحب السائل: عن هشاشة الروابط الإنسانية* حين يقول:
(في عالم استهلاكي، تُعامَل العلاقات كما تُعامَل السلع: تُستَخدم ما دامت مُرضية، ثم تُستبدل عند أوّل خيبة.)
فالثقافة بحدّ ذاتها جرى اختزالها إلى محتوى؛ لم تعد القيمة في العمق، بل في القابلية على الظهور اللامع، وأصبح الفكر يُقاس بعدد الإعجابات، لا بقابليته على المناورة الواعية والتفكيك، ولا بقدرته على إنتاج الوعي وتنمية المدارك. وحين تُؤتمت العاطفة وتُدار وفق منطق الخوارزميات، يصبح الوعي نفسه سهل التوجيه، إذ لا يمكن لوعي حر أن يتشكّل في ظل مشاعر مُبرمَجة ومُدارة سلفًا.
ومع تفشّي «ثقافة المقارنة» وتراجع أخلاقيات الصبر والتضحية والاستدامة، لصالح علاقات هامشية معرّضة للانهيار من أوّل خلاف أو سوء فهم، صارت العلاقات الإنسانية باهتة روحيًا. حتى اللحظات العاطفية باتت تُستهلك كمحتوى للنشر على منصّات التواصل، لا كخبرة إنسانية تُعاش بعمق بعيدًا عن الاستعراضات النفعية.
لقد انحسر العمق الداخلي للإنسان في زمن حضارة استهلاكية بائسة، تراجع فيها الجوهر خلف المظهر المُعنَى بتلميعه. فقد تمكّنت الثقافة الاستهلاكية من تفريغ العلاقات الإنسانية من بعدها الوجودي، وتحويلها إلى مشاريع تجارية، حيث اضمحلّت الأحاسيس العميقة لصالح وعود اللذّة السريعة، وصار الزمن كأنّه عدوّ العواطف الرصينة، أو حتى عدوّ الروح والذاكرة.
حتى الحب، بصفته عاطفة روحية عميقة تجعل الحياة جديرة بالعناء، فقد بُعده المتسامي الذي يرفعه فوق الآني والمادي، وانحدر إلى خدمة إشباع غريزي معرّض للكساد والملل بإيقاع سريع يوازي إيقاع العالم المتسارع. وكأنّ العالم اليوم لا يريد قلوبًا تمشي على مهل بمهارة الاحتفاظ والالتزام طويل الأمد التي قوّضتها ثقافة التسوّق العاطفي، ولا يهمّه أرواح مدركة تنصت لصمتها، بل أجسادًا تستهلك وتُستبدل وتزول.
البُنى الرقمية اليوم أعادت تعريف الحب، بتحويله إلى خوارزميات على مواقع المواعدة التي أصبحت من سمات العصر وضرورياته.
وفي زمن تحوّلت فيه العواطف إلى بيانات، والوعي إلى برمجيات، لم يعد الحب العذري، كما أرى، مجرّد حالة عابرة، بل تحوّل، إن وُجد في يومنا، إلى فعل مقاومة وجودي؛ حيث لا تُدار العاطفة عبر الإيقاع اللحظي، بل عبر زمن الترقّب، زمن الشوق لا زمن الإشعار والتحديث. وحيث لا يُختزل فيه الجسد إلى أداة إشباع، بل يظلّ أفقًا مشحونًا بالعاطفة وطيفاّ من المعاني البعيدة عن الاستهلاك أو الاستبدال.
الحب العذري بطبيعته يرفض الترجمة إلى لغة الخوارزم، فهو لا يخضع لمقاييس النجاح المادي، ولا يعرف التحديث الدائم. إنّه تمسّك فلسفي أخير بقدسية ما تبقّى من إنسانية الحب.
في زمن تتحكّم فيه الخوارزميات بالمشاعر والاختيارات وتعصف به المنصّات، هل يمكن للحب أن يظل تجربة إنسانية صادقة ونبيلة لا مجرّد وظيفة أو استجابة مبرمجة؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.