كريم هاني يكتب | الشباب والمشاركة

0

يمثل الشباب ركيزة أساسية في بناء المجتمعات الحديثة، نظرًا لما يمتلكونه من طاقة بشرية متجددة، وقدرة على التغيير، واستعداد للتفاعل مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وعلى الرغم من أن هذه الفئة تُعد الأكثر تأثرًا بالقرارات والسياسات العامة، فإن معدلات مشاركتها السياسية في كثير من الدول لا تزال دون المستوى المأمول. وتثير هذه المفارقة تساؤلات جوهرية حول طبيعة العلاقة بين الشباب والعمل السياسي، والعوامل التي تحدّ من انخراطهم، والسبل الكفيلة بتعزيز حضورهم في المجال العام.
يهدف هذا المقال إلى تحليل أهمية المشاركة السياسية للشباب، واستعراض أبرز التحديات التي تعيقها، ثم مناقشة آليات تمكين الشباب سياسيًا بما يسهم في تحقيق تنمية سياسية أكثر شمولًا واستدامة.
أولًا: أهمية المشاركة السياسية للشباب
تنبع أهمية مشاركة الشباب في الحياة السياسية من عدة اعتبارات مترابطة. فمن الناحية الديموغرافية، تشكل هذه الفئة نسبة كبيرة من السكان في العديد من المجتمعات، ما يجعلها قوة اجتماعية لا يمكن تجاهلها في عمليات صنع القرار. ومن الناحية التنموية، يرتبط استقرار الأنظمة السياسية وقدرتها على التجدد بمدى قدرتها على دمج الأجيال الجديدة في مؤسساتها وآلياتها التمثيلية.
كما تسهم المشاركة الشبابية في تجديد النخب السياسية وإدخال رؤى وأفكار أكثر ارتباطًا بمتغيرات العصر، خاصة في مجالات التكنولوجيا، والتعليم، وسوق العمل، وقضايا الحريات والعدالة الاجتماعية. كذلك، فإن إشراك الشباب في العمل العام يعزز لديهم الشعور بالانتماء والمسؤولية، ويحدّ من مشاعر التهميش أو الاغتراب السياسي، والتي قد تتحول في بعض السياقات إلى عزوف عام أو حتى سلوكيات احتجاجية غير منظمة.
ثانيًا: مظاهر ضعف المشاركة السياسية لدى الشباب
على الرغم من الأهمية النظرية والعملية لمشاركة الشباب، تشير العديد من الدراسات إلى وجود فجوة واضحة بين هذه الفئة والمؤسسات السياسية التقليدية. وتتجلى مظاهر هذا الضعف في انخفاض نسب مشاركة الشباب في الانتخابات، وضعف الانخراط في الأحزاب السياسية، وتراجع الاهتمام بالعمل النقابي أو البرلماني مقارنة بفئات عمرية أكبر.
غير أن هذا الضعف لا يعني بالضرورة غياب الاهتمام بالشأن العام، بل قد يعكس تحوّلًا في أنماط المشاركة، حيث يميل الشباب إلى التعبير عن آرائهم ومواقفهم من خلال وسائل بديلة، مثل منصات التواصل الاجتماعي، والمبادرات المجتمعية، والعمل التطوعي، وحملات المناصرة المرتبطة بقضايا محددة. وهو ما يشير إلى وجود فجوة بين الأطر السياسية التقليدية وتفضيلات الأجيال الجديدة في التعبير والمشاركة.
ثالثًا: العوامل المفسرة لعزوف الشباب عن المشاركة
يمكن تفسير ضعف المشاركة السياسية للشباب من خلال مجموعة من العوامل المتداخلة:
1. تراجع الثقة في المؤسسات السياسية
يشعر كثير من الشباب بأن مشاركتهم لا تؤدي إلى تأثير حقيقي في السياسات العامة، نتيجة ضعف الاستجابة لمطالبهم أو غياب الشفافية والمساءلة. ويؤدي هذا الإحساس بعدم الجدوى إلى تراجع الحافز للمشاركة.
2. الصورة السلبية عن العمل السياسي
ترتبط السياسة في أذهان بعض الشباب بالصراعات الحادة أو المصالح الضيقة أو الفساد، ما يعزز النفور منها ويجعلها تبدو مجالًا مغلقًا أمام الفئات الجديدة.
3. الضغوط الاقتصادية والاجتماعية
تؤثر معدلات البطالة المرتفعة، وصعوبة تأمين سبل العيش، وارتفاع تكاليف الحياة، في أولويات الشباب، حيث ينصرف كثير منهم إلى البحث عن الاستقرار الاقتصادي على حساب الانخراط في الشأن العام.
4. ضعف التنشئة والتثقيف السياسي
يسهم غياب برامج فعالة للتربية المدنية والسياسية في المدارس والجامعات في محدودية وعي الشباب بحقوقهم وواجباتهم وآليات التأثير المتاحة لهم، ما يضعف قدرتهم على المشاركة المنظمة والفعالة.
رابعًا: آليات تمكين الشباب سياسيًا
يتطلب تعزيز المشاركة السياسية للشباب تبني مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الشكلية، وتركز على معالجة الأسباب البنيوية للعزوف. ويمكن في هذا السياق طرح عدد من الآليات:
توسيع قنوات المشاركة المؤسسية من خلال تمكين الشباب داخل الأحزاب السياسية والمجالس المحلية والبرلمانات الشبابية، ومنحهم أدوارًا حقيقية في صنع القرار.

تعزيز التربية المدنية عبر إدماج مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان وآليات العمل الديمقراطي في المناهج التعليمية، وتنظيم برامج تدريبية تستهدف بناء المهارات السياسية لدى الشباب.
تحسين البيئة الاقتصادية والاجتماعية بما يخفف الضغوط المعيشية التي تحدّ من انخراط الشباب في العمل العام.
تطوير الخطاب السياسي ليكون أكثر قربًا من قضايا الشباب ولغتهم واهتماماتهم، مع توظيف الوسائل الرقمية التي تمثل فضاءً أساسيًا لتفاعلهم.
خاتمة
إن مشاركة الشباب في الحياة السياسية ليست مجرد مسألة تمثيل عددي، بل هي عنصر جوهري في استدامة النظم السياسية وقدرتها على التكيف مع التحولات المجتمعية. فكلما أُتيحت للشباب فرص حقيقية للتعبير والتأثير، تعززت شرعية المؤسسات السياسية، وازدادت فرص تحقيق تنمية شاملة ومستقرة.
وعليه، فإن تمكين الشباب سياسيًا يجب أن يُنظر إليه كاستثمار طويل الأمد في مستقبل المجتمع، لا كإجراء رمزي أو مرحلي، إذ إن المجتمعات التي تنجح في دمج طاقاتها الشابة في عملية صنع القرار هي الأقدر على مواجهة التحديات وبناء مستقبل أكثر توازنًا وعدالة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.