لبيب سلطان يكتب | فلسفة الذكاء الاصطناعي (1-2)

0

خواطر حول فلسفة الذكاء الاصطناعي (1-2)
لبيب سلطان

ان الغرض الاساس من هذه المقالة هومناقشة فلسفية للتأثيرات القادمة على حياتنا وطرح اسئلة بسيطة ولكنها هامة، هل ستجعلها ميسرة وسعيدة مثلا ، وهل سنجني منها ماتوقعناه ونحن شبابا ندرس هذا العلم بتطبيقاته الاولي في السبعينات في الاتمتة وبناء نظم الروبوتات الانتاجية وفق اطروحة وتصور انها ستقلص ساعات عمل الانسان ولن يحتاج لثمانية ساعات متواصلة من جهد فيزياوي عضلي وعصبي مستمر بل بمراقبة الروبوت وهو ينتج عشرات بل ومئات الاضعاف من البضائع والخدمات ، ليرجع بعدها لبيته وعائلته ليس منهكا ومتعبا ، بل سنراه فرحا بعد رجوعه للبيت بعد اربعة ساعات عمل ( مراقبة وليس جهدا عضليا ونفسيا) ليصرف الوقت الفائض على تعليم اولاده او ممارسة الرياضة معهم وهو في كامل قواه العقلية والفيزيائية .ولكن كما نعلم ، ان هذا لم يحدث . فبقدر ما تم مضاعفة الانتاج مئات المرات بفضل هذه الروبوتات ( اي زيادة الثروة العامة للمجتمع مئات المرات ومرات) وانخفضت كلف الانتاج ، الا ان يوم العمل لم يقصر، بل الانكى ان العامل نفسه قد فقد عمله باحلال الروبوتات محله، وكيف للانسان ان يصبح سعيدا دون عمل ؟ بل تحول لهامش الحياة، واصبح ينحاز لليمين المتطرف، ويعتبر ان مأساته ناتجة من تواجد الصوماليين والمسلمين والعرب واللاتين حوله ، ينافسونه على الزاد ، بينما منافسه الحقيقي هو الروبوت الانتاجي الذي حل محله ، ومشكلته الحقيقة هي فقدان القيمة للذات ، لذاته نفسها بعدما فقدت قيمتها الانتاجية واصبح مطلوبا منه اما اعادة التأهيل لممارسة العمل الذهني الكفوء او القبول بواقع العيش المهمش لقد فاتك القطار .
وحتى هؤلاء الاذكياء والكفوئين هم اليوم تحت التهديد. فالانتقال للعمل الذهني الاكثر تأهيلا ومردودا جعلته كئيبا حبيسا امام الحواسيب يراجع البيانات ، ومنه جعلته ينفر من القراءة ومن الشعر ومن العاطفة والخيال حتى استغنى عن لقائه في المقهى مع الاصدقاء (حل محلهم التلفزيون واجهزة الموبايل وشبكات التواصل الافتراضي والاجتماعي بديلا) .واقعا حولته لمستهلك لما تنتجه الروبوتات من بضائع رخيصة ، وزادت عليه في الاستهلاك المنتجات المعلوماتية على شبكات التواصل الاجتماعي. والانكى انه اليوم خائف، وهو محق، ماذا ان حلت تقنيات نظم الذكاء الاصطناعي التي تقوم بمهام العمل الذهني والابداعي وتستهدف احلال افضل الخبراء والاكثر تأهيلا في المجتمع ،فكيف به ؟ ستجعلهم يفقدون اعمالهم ومنها فقدان القيمة والفائدة للذات ، ليضافوا الى هذه الفئة التي ما باتت تتوسع اضافة للعمال الغير ماهرين بعد ادخال الروبوتات . وعموما يمكن فرز ظاهرة انه كلما تطورت التكنولوجيا اكثر يزداد توجه عدد اكبر من الناس الى فقدان معنى الذات الانتاجية والابداعية والتوجه نحو الانغلاق ومنن نحو التطرف الفكري اليميني العرقي والديني املا في ايجاد متنفس لذاتهم المفقودة ، ومنه ربما نجد اعادة انبعاث الحركات اليمينية المنادية باغلاق الحدود ظانين ان ذلك سينقذهم ، وهنا الفهم الخاطئ ، فالمشكلة اعمق من المهاجرين ومن غلق الحدود ، ان المشكلة واقعا هي فقدان قيمة الذات نفسها ، فهي كانت تستمد قيمتها من عملها وابداعها، وحلت التكنولوجيا اليوم محلها، واصبحوا يبحثون عن ذاتهم الضائعة ،ويضعون على الغريب وزر مأساتهم، وليس على سبب تغريبهم بسبب احلال التكنولوجيا محلهم في الاساس.
ومنه لاغرابة ابدا ان الوضع ربما سيزداد سوءً اكثر عندما يتوسع انتشار نظم الذكاء الاصطناعي التي ستجهز على ماتبقى في الابداع من الذات ، كون هدفها اتمتة العمل الذهني للانسان، اي القدرة التحليلية والابداعية له، فهي تستطيع انجازها اسرع منه بملايين وربما مليارات المرات ( تستطيع اجراء مليار عملية استنتاج وربطها مع بعض والخروج بنتيجة خلال ثانية واحدة وربما اقل او عدة ثوان لاغير). مالذي سيحل وقتها بالجزء ” المتأهل الذكي ” من الناس، هؤلاء ايضا سيشعرون بالتهميش وبالمرارة ، وهم فئة واسعة ،جيش من الخبراء والعاملين في الهندسة والطب والقانون والمعمار وادارة الاعمال والاموال ، ستتقلص الفرص امامهم تدريجيا باحلال هذه المنظومات تدريجيا في مناحي الرزق في الحياة ، وفي نهاية المطاف سنجد هؤلاء سينضمون للفئة الغير ذكية من العمال الذين قلصت الروبوتات الحاجة اليهم تحت ذريعة تحريرهم من العمل الفيزيائي المرهق ، وهذه المرة بذريعة تحريرهم من العمل الذهني الاكثر ارهاقا، وهؤلاء ضمنا سينضمون للتيار القومي او الديني بحثا عن الذات، وهل نستغرب اذا صعد التطرف اليميني اكثر في المجتمعات المتقدمة تكنولوجيا ، ومبعثه كما نناقشه هنا هو البحث عن الذات الضائعة او اللاجدوى من الذات فيتجه الفرد للتطرف. شخصيا لم استغرب جواب الباحث الانثربولوجي ايفال نواح ، صاحب الكتاب المعروف “تاريخ الانسان العاقل” ، عندما سؤل هل يوجد احتمال ان تنقرض الانسانية وحضارة الانسان العاقل بعد الف عام ، اجاب نعم ، بل ربما حتى بعد مئة عام ! وانا اذ اوافق على هذا التقييم في ظل الظروف السائدة ، ولكني لا اعتبره فرضا مفروضا واقعا على الحضارة والانسان، وكأنه امرا لا مفر منه، بل يعتمد على الخيارات المتاحة امام الانسان والمجتمعات ، على فهم الغرض من الحياة نفسها وفهم الذات ، وعلاقة الافراد والمجتمعات، انتهاء بعلاقات الدول . فهذه المنظومات والتكنوجيات واقعا هي مفيدة جدا للبشر والانسان، ولكن الامر يتعلق بكيفية الاستفادة منها ومايتطلبه من تغيير في فهم الحياة العاقلة واعادة النظر في العلاقات القائمة كي لاتتعرض الحضارة للخطر من فقدان الانسان لقيمة الذات امام الالات الاذكى منه او بدقة اكثر الاسرع منه باستخدام المعرفة والذكاء . هذا ما سنناقشه تفصيلا في نهاية هذه المطالعة، ولكن اولا لابد من فهم كيف تعمل هذه المنظومات لكي نفهم مدى تأثيراتها على الانسان والحضارة والحياة.

2. موجزلفهم تقنيات نظم الذكاء الاصطناعي
وجدت من الضرورة اجراء زيارة سريعة مع القارئ لفهم الاسس والفرضيات التي تعمل بها هذه المنظومات كي نتمكن معا من الدخول لمناقشة تأثيراتها المستقبلية.
عموما هناك ثلاثة تقنيات اساسية تشكل الاساس العلمي والعملي لبناء وعمل نظم الذكاء الاصطناعي والتي تهدف اساسا لتقليد عمل دماغ الانسان الذهني والمعرفي عند الانسان الخبير العارف المتمرس (وليس اي دماغ).
اول هذه التقنيات بدء بتطويرها واقعا على فرضية طرحت منذ السبعينات ، وتقوم على التحول لاستخدام اللغة الطبيعية للانسان لتمثيل المعارف في المنظومات الحاسوبية ،والفرضية ( التي تحولت لاحقا لاطروحة مقبولة علميا وحسم العلم امرها) ان كل المعارف في ادمغتنا هي تركيبات من هياكل لغوية (رغم التكوين الفسيولوجي للدماغ من حوامض امينية وغيرها فهي اساسا مكيفة لحفظ واستخدام هذه الهياكل اللغوية) ، فلاتوجد معارف ومفاهيم معرفية خارج اللغة الانسانية سواء التي ننطق اونكتب بها (حتى اللغة الرياضية الدقيقة لوصف الظواهر الفيزيائية الدقيقة بمعادلات هي معارف لغوية بمتغيراتها وعلاقاتها ومصاغة من وحدات ومصطلحات ومفاهيم اللغة الطبيعية للانسان ) ،واثبت الواقع ان المعادلات الرياضية للظواهر الفيزيائية لا تمثل غير جزء بسيط من معارفنا ، ومنه فلا توجد واقعا معرفة موضوعية نعرفها خارج اللغة، فما نعرفه نصيغه لغويا، واصبح تمثيل هذه المعارف في الكومبيوتر علما قائما بذاته ( يدعى تقنييات تمثيل المعارف Knowledge Representation ) ليكون الاساس للتطوير اللاحق للمنظومات الحاسوبية لتحويلها من رقمية مبرمجة الى نظم معرفية ذكية ،وليست مبرمجة لانجاز وظيفة موصوفة رياضيا. هذه كانت اول خطوة شقها هذا العلم “الذكاء الاصطناعي” لتأسيس بدايته على اركان متينة، وتحويل الحاسوب من جهاز مبرمج لحل معادلات رياضية، الى مفكر له معارفه الخاصة وبصيغ ومفاهيم وهياكل قائمة على استخدام اللغة الطبيعية للانسان ، ومنه اصبح قادرا على محاكاة وظائف دماغ الانسان.
التقنية الثانية هي اعطاء المنظومات القدرة على التعلم واكتساب معارف جديدة سواء في البحث عنها وتجميعها وفهمها لزيادة المعارف ، اوعندما تجابه موقفا جديدا لاتعرفه المنظومة كونه غير ممثل في قاعدتها المعرفية، فتحاول تعلمه سواء من اجراء تجارب واستخلاص ماينجح منها او طلب معطيات اضافية كي تستخدمها في بناء معارف جديدة وتضيفها لقاعدة معارفها ، وهكذا تنمو وتتوسع المنظومة ومعها المعارف فيها ( تماما كالانسان الباحث عن المعرفة سواء بقراءة الكتب ، او الدراسة في المدارس والجامعات ، او من تجاربه ومعايشته ومشاهداته في الحياة والتي يستنتج منها معارف جديدة يضيفها لمعارفه هي قابلية التعلم من خلال البحث عن المعارف ( والتي تدعى تقنيات اقتناء المعرفة Knowledge Acquisition ) ( وغوغل مثلا يضيف يوميا ما معدله تريليون معلومة جديدة يبحث عنها ويقتنيها كما ويجددها عند اي تغيير في قواعده المعرفية وهذا هو احد اسرار نجاحه وانتشاره الواسع رغم انه لم يصنف من نظم الذكاء الاصطناعي تماما كونه يجمع المعلومات ويصنفها ليعيد تجهيزها ، ولايمتلك كاملا وبشكل متطور ماكنة للاستنتاج كما سنطرحه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.