لبيب سلطان يكتب | فلسفة الذكاء الاصطناعي (2-2)

0

التقنية الثالثة الاساسية في علم الذكاء الاصطناعي هي التي ندعوها ماكنة الاستنتاح وهي الاتيان بحلول غير ممثلة مباشرة في القواعد المعرفية للمنظومة بل تستنبطها من المعارف العليا في المنظومة ، أياستخدام المعارف المسبقة فيها( وبالحديث عن غوغل مثلا فقد بدأت ومنذ فترة على تطوير اليات للاستنتاج من خلال التكيف مع حاجة ومعطيات المستخدم، وهي جزء لاغير من تقنيات كثيرة لوسائل وطرق تستخدمها ماكنة او محرك الاستنتاج في النظم الذكية ( والواقع ان هذه التقنية ، اي التوصل الى حلول من معارف مسبقة تعادل جوهريا مهمة ما ندعوه ممارسة البحث العلمي لاكتشاف حلول وحتى حقائق جديدة مما هو متراكم من معارف سابقة ) . وما تم انجازه لليوم في هذه التقنية ( القدرة على الاستنتاج) ليس قليلا ،ومنها على سبيل المثال القدرة على التكيف واستنباط واستخراج المعارف الملائمة ‏لحالة او لمستخدم تتوفر معطيات واقعية عنهما ، فيتم وضع حل ملائم دون ان يكون هذا الحل ممثلا بشكل مباشر في المنظومة المعرفية ( تماما كما يضع الطبيب علاجا لمريض يستخدم فيه معارفه الطبية العليا ليستنتج مايلائم المريض من علاج وفق معطيات هذا المريض ). ان القدرة على الاستنتاج والاتيان بحلول لحالة معينة خاصة ،غير ممثلة في المنظومة بشكل مباشر ، وفق معطيات متوفرة لهذه الحالةهي احدى تقنيات الاستنتاج الشائعة والتي اصبحت تطبق بشكل واسع اليوم في نظم الذكاء الاصطناعي ( في مثال الطبيب اعلاه لو كان المرض بالسكري مثلا فمعرفة وزن المريض ودرجة تطور المرض تساعد الطبيب في تحديد كمية الانسولين التي تعطى له ،ونفس هذه الجرعة ستعطيها اياه منظومة الذكاء الاصطناعي فهي تحتوي على معارف الطبيب المختص كما وتقوم بنفس العملية الاستنتاجية ) . وهناك اليات اخرى تم تطويرها اليوم لتحاكي دماغ الانسان في الاستنتاجات مثل البحث عن حلول وفق تصنيف الافضليات ضمن الامكانيات وفرزافضلية الخيارات عن غيرها ، وغيرها من التقنيات التي تحاكي القدرات الاستنتاجية لدماغ الانسان، ولكنها تقوم بها بصورة اسرع بملايين المرات.
وعموما فــ اهم ما يجب فهمه في منظومات الذكاء الاصطناعي انها ليست الات مبرمجة مسبقا ( مثل الروبوتات والحواسيب) بل هي مرافق ذكي (Intelligent Agent) يرافقك ويسدي لك الخدمة حيثما وحينما تريدها وفق المعارف المتوفرة لديه عنك وعن المجال الذي تسأل عنه، ومنهما يستنتج ما هو الافضل والمتاح لك، كما ويمكنه تقديم تفسيرا لك عن سلوكه كيف ولماذا يقدم لك هذا الخيار دون غيره. وعلينا فهم ان انتاج نظم الذكاء الاصطناعي هي بضاعة معرفية.
تعتبر السبعينات هي الولادة الحقيقية لهذا العلم عندما تم اعتماد الهياكل اللغوية كاساس لتمثيل المعارف (وليست المعادلات الرياضية التي هي ايضا لغة ولكنها قادرة على وصف الظواهر الفيزيائية الدقيقة مث التحكم بحركة طائرة او سياقة سيارة اوتوماتيكيا او التحكم بخط انتاجي او تفاعل كيميائي وغيرها). ومنذ السبعينات تم التحول الى محاكاة عمل الدماغ على اساس انه يستخدم المعارف اللغوية في مجال محدد Knowledge) Domain) ليقوم بعمله في هذا المجال. ان التحول لاستخدام المعرفة كهياكل لغوية في الاساس يعد نقلة هامة وحاسمة من الفرضيات السابقة التي ربطتها وكأنها تركيبات فيزيولوجية من الحوامض الامينية مثلا، كما وان اغلب معارفنا ليست معادلات رياضية يتم حلها ، بل هي تركيبات لغوية ، ومنها اتت النقلة الثانية بضرورة العمل على تحويل الحاسوب من جهاز للحسابات الرقمية الى جهاز لمعالجة التركيبات اللغوية للغة الطبيعية للانسان ( والفرضية المشهورة ان الطبيب مثلا عند تشخيص مرض لايقوم بحل معادلات تفاضلية في عمله وكذلك الميكانيكي عند تشخيصه لتصليح سيارة، فالحاسوب يعتمد على تمثيل المعرفة بطرق رياضية ( Mathematical Models) التي تعتمد القوانين الفيزيائية، بينما الطبيب يستخدم خبرته ومعارفه الممثلة لغويا لتشخيص المرض ووصف العلاج بتفاعلات لغوية استنتاجية وليست وفق نموذج حل معادلات رياضية، والامر مثله حتى لوصف كيف يمكن مثلا ان تركن سيارة على جانب الطريق بين سيارتين، بل وحتى التحكم بلكثير من النظم الفيزيائية فيمكن القيام بها بنماذج لغوية صرفة مصاغة باللغة الطبيعية للانسان ( كمثال جيد عليها قمت شخصيا بداية التسعينات بالعمل على مشروع لنموذج ذكي للتحكم بمحرك الذراع للكتابة والقراءة من القرص الصلب للكومبيوتر حيث جابهت الطرق الرياضية التقليدية للتحكم مشكلة التناقض بين الدقة العالية والوقت للوصول للقطاع وللمنطقة التي تحفظ المعلومة ( الدقة وصلت الى النانومتر او 10 اس ناقص 6 من الميليمتر الواحد للقطاع وذلك لضرورة الانتقال الى الاقراص الصلبة ذات الكثافة العالية بالكيكابايت داخل القرص ذو القطر الثابت قرابة 7 سنتم لحفظ معلومات ضخمة على قرص صغير) ، وتم تطوير نموذج ذكي للتحكم ، لغوي صرف ومن دون اي معادلات رياضية للتحكم بحركة الذراع لقراءة المعلومات ويستخدم معارف لغوية على شكل “تحريك الذراع باقصى تعجيل وسرعة لمنتصف المسافة ثم الكبح الاقصى لايقاف الحركة وتقليص السرعة تدريجيا حتى بلوغ سرعة الصفر عند الوصول للمقطع الواجب قرائته او للكتابة عليه لحفظ المعلومات) ، ونجحت تجاربه ايما نجاح ، ومثله تم العشرات بل المئات من هذه النماذج اللغوية التي طورت في الثمانينات والتسعينات وطبقت على النظم الصغيرة والمتوسطة التعقيد وبرهنت ان اعقد المشاكل يمكن حلها باستخدام نماذج لغوية ( وليس معادلات رياضية) لادارة عملها والتحكم بها بشكل ذكي يستخدم معارف لغوية ومحرك استنتاجي كأساس لادارة عملها . تلاه التحول للنظم الاكبر يحاكي الخبرة لخبير في مجال محدد ( Expert Systems ) ولكنه يجهز الحلول بطريقة اسرع من الانسان الخبير ودون ارهاقه، والاهم هنا انها لا تتعب ولا تجهد ويصيبها الاعياء ومنه فهي لا تخطأ كما يحصل مع الانسان عند وصوله لحالة من التعب والاعياء . كانت هذه من نماذج الجيل الثاني من تحول نظم الذكاء الاصطناعي لاستخدام اللغة الطبيعية للانسان وكانت حاسمة للانتقال الى الاجيال القادمة وصولا الى مانشهده اليوم من نماذج للمنظومات الكبيرة( Large Linguistic Models LLM ) التي بدأت تغزو الاسواق والحياة وجوانب كبيرة من نشاطات الانسان الذهنية والابداعيية منذ سنوات. ومن المهم ان نعلم ان هذا العلم لم ينل طوال خلال خمسين عاما ما يناله اليوم من شهرة وقبول واسع وثقة عالية من جراء التطور في التطبيقات وتحولها من النظريات والمختبرات الى التطبيقات التجارية (Commercialization) في مختلف القطاعات،فلها تعود هذا الانتشار والثقة والقبول.
اعتقد ان هذه المقدمة تقدم قدر كاف للقارئ ليفهم كيف تعمل نظم الذكاء الصناعي وماهي التقنيات الاساسية الثلاثة في عملها واسس تطور هذا العلم الهندسي لمعالجة المعارف ( فالمعارف هي مادتها الاولية للانتاج والمعارف هي ايضا انتاجها البضائعي ) لتلبي حاجات كثيرة وماسة وهامة لنا كأفراد ومجتمعات ودول وكجنس انساني . نعم لقد وصلنا اليوم لبداية عصر جديد بفضل هذه التكنولوجيا المعرفية الرائعة لتقوم بدور “المرشد العراف” واقعا ( والتي تعادل وتتفوق واقعا حتى على الخلق الالهي للانسان العاقل من حيث المعارف ،فهي اكثر معرفة واكثر شهية لاكتساب المعارف مما خلقه الله فياغلب البشر)، كما وهي اسرع منه بملايين المرات في معالجتها وابداء الرأي العارف . وهنا يبدأ السؤال الاساس لهذه الورقة ، هل ستجعلنا هذه المنظومات اكثر سعادة واكتفاء وانسانية وعقلانيةوتدفعنا لنكون سعداء ومتعاطفين ومتحابين ومتسامحين اكثر حيث يوجد بيننا هذا العراف ( النبي الحكيم نيابة عن الله) ونقبله وسيطا ، ونستخدم معارفه لاصلاح شأن الحضارة والانسان . انا اشك بذلك، رغم قدرته عليه، لان هناك قضية عالقة هي ان المعرفة الصحيحة والذكاء ، رغم اهميتها الحاسمة ، ليست كافية لوحدها لمعالجة الامراض والظواهر ( مثلا تخلص الانسان من انانيته وامراضه الكثيرة المرتبطة بوجوده بحد ذاته)، ولا بد ان نعلم ان لا احد يرغب في تصميم منظومات ذكية لمعالجة الانانية مثلا او الجشع او الانحياز الخ . فنحن بقدر حاجتنا للمعرفة وللذكاء نحتاج للضمير والاخلاق ولحسن استخدام هذه المنظومات ، اضافة نحن بحاجة للرقة والعاطفة والمشاعر الفياضة وليس الذكاء لوحده، كما نحتاج للتعاون كي نكون سعداء ومكتفين كبشر. سنناقش هذه الامور وكيف ستؤثر منظومات الذكاء الاصطناعي على حياتنا بفصل خاص قادم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.