محمد عبد الكريم يوسف يكتب | مستقبل الانترنت

0

مستقبل الإنترنت
محمد عبد الكريم يوسف

لم يعد الإنترنت مجرد أداة تقنية، بل تحول إلى بنية تحتية اجتماعية واقتصادية وثقافية تشكّل وعي الأفراد وتوجّه المجتمعات. فمن خلاله تُصنع الآراء العامة، وتُدار الحملات السياسية، وتُشنّ الحروب السيبرانية، وتُبنى الاقتصادات الرقمية. ومع تصاعد هذا الدور، تصاعدت أيضًا محاولات التحكم به وتنظيمه وربما تقييده، وهو ما يضع الإنترنت في قلب صراع عالمي يتجاوز كونه مساحة تواصل ليصبح مجالًا للنفوذ والهيمنة.

تطرح هذه التحولات سؤالًا مركزيًا حول الاتجاه الذي يسير فيه الفضاء الرقمي: هل يتجه الإنترنت إلى مزيد من الانفتاح بوصفه فضاءً عالميًا حرًا، أم نحو رقابة عالمية تُفقده طابعه التحرري؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة إلى الجذور الفكرية والتاريخية لنشأة الإنترنت، وفهم دوافع الرقابة، وأشكال الصراع المتنامي حول مستقبله.

نشأ الإنترنت في سياق أكاديمي وعسكري خلال ستينيات القرن العشرين، لكنه سرعان ما تطور ليصبح شبكة لا مركزية قائمة على مبدأ الانفتاح وتبادل المعرفة. ارتبط هذا التطور بفلسفة ليبرالية ترى في حرية تداول المعلومات شرطًا أساسيًا للتقدم والديمقراطية، حيث يقوم الفضاء الرقمي على حرية التعبير دون قيود سياسية أو أيديولوجية، وعلى تدفق المعلومات عبر الحدود دون اعتراف بالسيادة الجغرافية، وعلى اللامركزية التي تمنع احتكار السيطرة من قبل جهة واحدة، فضلًا عن المشاركة المجتمعية الواسعة في إنتاج المحتوى، كما تجلى ذلك بوضوح مع تطور Web 2.0.

أسهم هذا الطابع المفتوح في تمكين الحركات الاجتماعية، وكشف قضايا الفساد، وتوفير منصات بديلة للإعلام التقليدي، كما لعب الإنترنت دورًا محوريًا في أحداث سياسية كبرى، من الاحتجاجات العالمية إلى ثورات الربيع العربي، حيث أصبح أداة للتعبئة والتنظيم وكسر احتكار المعلومة.

لكن رغم هذه الوعود التحررية، بدأت الدول منذ وقت مبكر بمحاولات تنظيم الإنترنت وضبطه. ومع التطور المتسارع للتكنولوجيا، تحولت الرقابة الرقمية إلى منظومة أكثر تعقيدًا وفاعلية، مدفوعة بدوافع متعددة، في مقدمتها اعتبارات الأمن القومي ومكافحة الإرهاب، والحفاظ على الاستقرار السياسي ومنع تصاعد المعارضة، إضافة إلى حماية القيم الثقافية والدينية، والتحكم في الاقتصاد الرقمي والبيانات بوصفها موردًا استراتيجيًا.

تجلت هذه الرقابة عبر أدوات متنوعة، شملت حجب المواقع والمنصات، والمراقبة الواسعة للاتصالات، وسنّ قوانين الجرائم الإلكترونية، والاستعانة بالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، إلى جانب التعاون المتزايد بين الحكومات وشركات التكنولوجيا الكبرى، ما جعل الرقابة أقل وضوحًا وأكثر نفاذًا.

في هذا السياق، لم تعد الرقابة حكرًا على الدول وحدها، بل برزت الشركات التكنولوجية العملاقة فاعلًا أساسيًا في تشكيل الفضاء الرقمي. إذ تشير دراسات عديدة إلى أن نموذج أعمال هذه الشركات قائم على ما يُعرف برأسمالية المراقبة، حيث تُجمع بيانات المستخدمين ويُحلل سلوكهم بصورة واسعة، ما يحوّل الخصوصية إلى سلعة قابلة للتداول. كما تلعب الخوارزميات دور “الرقيب الخفي”، إذ تتحكم في ما يُعرض وما يُخفى من محتوى، دون شفافية كافية أو مساءلة واضحة، وهو ما يطرح أسئلة أخلاقية وسياسية عميقة تتعلق بالسلطة والمعرفة والتأثير.

وعلى المستوى العالمي، يمكن ملاحظة تباين واضح في أنماط الرقابة الرقمية، حيث تتبنى بعض الدول نموذجًا سلطويًا يقوم على الرقابة الشاملة وسيطرة الدولة الواسعة وحجب المحتوى، كما هو الحال في الصين، بينما تتجه دول أخرى إلى نموذج ليبرالي منظم يسمح بهوامش حرية نسبية في إطار قوانين صارمة، كما في أوروبا. في المقابل، يبرز نموذج ثالث تقوده آليات السوق، حيث تمارس الشركات دورًا مركزيًا في تنظيم المحتوى وضبطه، وهو ما يتجلى بوضوح في الولايات المتحدة. وتعكس هذه النماذج اختلاف الرؤى حول العلاقة بين الحرية والأمن والسيادة.

في ضوء هذه التفاعلات، تبرز عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل الإنترنت. قد يتجه العالم نحو تعزيز الفضاء المفتوح من خلال تقنيات التشفير واللامركزية وتطبيقات Web3، بما يحدّ من هيمنة الدول والشركات. وقد يسير في اتجاه معاكس يتمثل في “تجزئة الإنترنت”، حيث ينقسم إلى شبكات إقليمية خاضعة للسيادة الوطنية. كما يلوح سيناريو ثالث يقوم على رقابة عالمية ناعمة، تُمارس بشكل غير مباشر عبر القوانين والخوارزميات، مع الحفاظ على مظهر الحرية الشكلية.

يقف الإنترنت اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فبينما تتزايد أهميته بوصفه فضاءً للحرية والمعرفة والتواصل، تتكثف في الوقت نفسه محاولات السيطرة عليه. ولا يبدو المستقبل متجهًا نحو انتصار مطلق لأحد النموذجين، بل نحو توازن هشّ بين الانفتاح والرقابة. ويبقى التحدي الأعمق هو كيفية حماية حرية الإنترنت دون التضحية بالأمن والحقوق الفردية، في عالم بات فيه الفضاء الرقمي امتدادًا مباشرًا للواقع السياسي والاجتماعي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.