ميرال المنصوري يكتب | الترند والوعي

0

حين يصبح “التريند” مُربيًا من يصنع وعي الأجيال؟
الفجوة بين الأجيال لم تعد مجرد اختلاف في الأذواق، بل تحوّلت إلى اختلاف في منظومة القيم والسلوكيات. بين جيل نشأ على قواعد واضحة للذوق والاحترام، وجيل يتلقّى كل يوم آلاف الرسائل عبر الشاشات والمنصات الرقمية، تغيّرت أدوات التأثير، واختلفت صورة القدوة، وبرز السؤال: من يوجّه وعي الشباب في عصر السرعة؟
في الماضي، كان الفن جزءًا من البناء الثقافي للمجتمع. الأغنية لم تكن مجرد لحن، بل رسالة ومشاعر تُصاغ بعناية. تجربة فنية مثل نجاة الصغيرة تجسد مرحلة كان فيها الصوت يحمل عمقًا، والكلمة تتسم بالرُقي والاحترام. لم يكن الانتشار الهدف الأوحد، بل بقاء المعنى في الذاكرة كان معيارًا للنجاح.
أما اليوم، فقد ظهرت منصات رقمية مثل TikTok، حيث يصبح المحتوى قصيرًا وسريع الانتشار، ويُقاس النجاح بعدد المشاهدات والمتابعين، أكثر من قيمته أو رسالته. ضمن هذا الإطار، ظهرت أنماط موسيقية مثل “أغاني المهرجانات”، التي تعكس إيقاع الشارع وسرعة العصر. بعض كلماتها تحمل حدة أو استفزازًا، لكنها تعكس جزءًا من واقع الجيل وتأثير الترند على السلوك والوعي. هنا لا نتحدث عن الأغاني فقط، بل عن البيئة الرقمية التي تحدد ما يتلقّاه الشباب ويقلّدونه.
المشكلة الحقيقية ليست في المنصات أو الموسيقى وحدها، بل في غياب التوازن والتوجيه. حين يغيب الحوار داخل الأسرة والمدرسة، وتضعف المؤسسات الثقافية، يصبح الهاتف هو المرجع الأول. ويصبح الترند معيارًا للقيم، فتنتشر سلوكيات وأفكار قد تكون سطحية أو متسرعة، ويُفقد الشباب القدرة على التمييز بين ما هو إيجابي وما هو مضلل.
التوعية اليوم ليست رفاهية، بل ضرورة. يجب أن نوجّه الجيل ليواكب العصر دون أن يفقد المبادئ، ويوازن بين الحرية الشخصية والانضباط، وبين الحداثة والهوية. الخطاب الرقمي المسؤول، والمحتوى الثقافي الجاذب، يمكن أن يشكّل قوة مضادة للترندات السريعة، ويحافظ على الذوق والوعي العام.
لسنا في صراع بين “زمان” و”دلوقتي”، بل أمام تحدٍ يتطلب إدارة واعية للوعي الرقمي والقيم. بين الماضي والحاضر مساحة لإعادة صياغة المشهد الثقافي، بحيث يُصبح الشباب قادرين على الاختيار الواعي، بعيدًا عن الانجراف خلف أي موجة عابرة، ويظل الوعي والأخلاق ركيزة أساسية في حياتهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.