وُلد تشايكوفسكي في 7 مايو 1840 بمدينة فُوتكينسك (شمال روسيا) لعائلة مثقفة متوسطة الحال. أبدى منذ طفولته ميولًا موسيقية واضحة، وكان سريع التأثر عاطفيًا وحساسًا جدًا. التحق بمدرسة للقانون في سانت بطرسبورغ عام 1850، وتخرج منها موظفًا حكوميًا، لكن شغفه بالموسيقى ظل يغلبه. وفي عام 1862 التحق بمعهد الموسيقى في سانت بطرسبورغ، وهناك تتلمذ على يد أنطون روبنشتاين، وبدأت مسيرته الأكاديمية والفنية.
انغمس تشايكوفسكي في التأليف منذ وقت مبكر، وبرزت قدراته في المزج بين الطابع الغربي الكلاسيكي والتعبير الشرقي الروسي. تأثر بالاضطراب العاطفي الداخلي الذي رافق حياته الخاصة، خصوصًا بسبب طبيعته الحساسة ومعاناته في التكيف الاجتماعي. كانت علاقاته الإنسانية محدودة ومعقدة، إذ لم يستطع تكوين حياة أسرية مستقرة رغم محاولاته.
ألّف تشايكوفسكي أعمالًا خالدة تعكس مشاعره المضطربة وتجربته الإنسانية العميقة، من بينها باليهات بحيرة البجع (1876)، والجميلة النائمة (1889)، وكسارة البندق (1892). كما قدّم سيمفونيات بارزة، خاصة السيمفونية الرابعة (1877)، والخامسة (1888)، والسادسة “باتيتيك” (1893)، إلى جانب أوبرات مهمة مثل يفغيني أونيغين وملكة البستوني. وكانت موسيقاه في الغالب انعكاسًا لصراعه بين الحلم بالحب والانسجام، وبين قلقه الوجودي وانعزاله النفسي.
شهدت حياته محطات إنسانية كان لها أثر مباشر في نموذجه الموسيقي، من أبرزها محاولته الزواج عام 1877 من طالبة موسيقى تدعى أنطونينا ميليوكوفا، والتي انتهت بانهيار عصبي سريع، لكنها ألهمته كتابة السيمفونية الرابعة. كما شكّلت صداقته الروحية العميقة مع الأرستقراطية الثرية نادجدا فون ميك محطة فارقة، إذ دعمته ماليًا ومعنويًا لمدة 13 عامًا دون أن يلتقيا وجهًا لوجه. كانت مصدر استقرار وإلهام له، أشبه بـ “حبيبة روحية صوفية”. كذلك فتحت أسفاره إلى أوروبا، وخاصة فرنسا وإيطاليا، أبواب الشهرة العالمية أمامه، وأتاحت له التعرف على تقاليد موسيقية متنوعة أثرت في أسلوبه.
زار تشايكوفسكي فرنسا عدة مرات، وأقام في باريس حيث قاد فرقًا موسيقية وألّف بعض أعماله هناك. كان محبوبًا بين الجمهور الفرنسي، وارتبط بعلاقات ثقافية وفنية مع نخبة موسيقيي أوروبا. وأسهمت هذه الرحلات في تعزيز مكانته الدولية، وكرست اسمه كموسيقار عالمي لا يقتصر حضوره على روسيا وحدها.
عاش تشايكوفسكي صراعًا نفسيًا طويلًا مع وحدته الداخلية وشعوره الدائم بالاغتراب. وفي عام 1893 قدّم عرض السيمفونية السادسة “باتيتيك” في بطرسبورغ، والتي بدت كوصيته الموسيقية الأخيرة. وبعد أيام قليلة، في 6 نوفمبر 1893، توفي فجأة. الرواية الرسمية أشارت إلى وفاته بسبب الكوليرا إثر شربه ماءً ملوثًا، بينما تحدثت روايات أخرى عن احتمال انتحاره بقرار داخلي نتيجة ضغوط اجتماعية ونفسية، لتبقى نهايته محاطة بالغموض.
ظلت علاقته مع نادجدا فون ميك الأصفى والأكثر عمقًا في حياته. لم يلتقيا قط، لكن رسائلهما المتبادلة، التي تجاوزت الألف رسالة، كانت تعبيرًا عن حب وفهم روحي. واصلت الإخلاص له حتى بعد انفصالهما المفاجئ، وظلت ذكراه في قلبها حتى وفاته، وكأنها كانت تجسد صورة الحبيبة الصوفية التي تمنحه دعمًا معنويًا لا يُرى.
بهذا يكون تشايكوفسكي قد ودّع الحياة محاطًا بالجدل والغموض، تاركًا وراءه موسيقى خالدة تحمل بين نغماتها كل معاناته، وأحلامه، وعاطفته الجياشة.