حميد كورجي يكتب | مراحل شعر “نزار قباني “
يمكن تقسيم تجربة نزار الشعرية إلى ثلاث مراحل أساسية، مع تركيز على المقارنة بين المرحلة الأولى والثالثة:
المرحلة العاطفية والجمالية (ما قبل 1967)
تعد هذه الفترة بمثابة تأكيد لنزار كرمز لشعر الغزل.
تميزت اللغة فيها بأنها بسيطة وشفافة، قريبة من اللغة اليومية، لكنها تحمل إيقاعًا موسيقيًا أخاذًا يعكس نوعًا من السهولة الممتنعة. تمثل الصور الشعرية فيها مزيجًا من الابتكار والعمق الحسي، حيث تبرز تحرير المرأة والجسد من قيود التقاليد الراسخة. من أبرز الأمثلة على ذلك “الرسم بالكلمات” و”قصيدة عن صدر امرأة”.
من الناحية الفكرية، ركز نزار على الذات الفردية، واعتبر الحب قضية وجودية، وعبر عن توق دائم نحو الحرية الشخصية.
على مستوى التقييم الفني، كانت هذه المرحلة تتمتع بمستوى فني عالٍ جدًا بسبب تركيزه الكبير على تجديد بنية القصيدة الغزلية وصناعتها بدقة ونضج.
المرحلة السياسية والنضالية (ما بعد 1967)
شهدت هذه المرحلة تحولًا جوهريًا في الأسلوب والمضمون إثر صدمة الهزيمة.
تغيرت اللغة والأسلوب إلى نوع من التهكم والسخرية أحيانًا، حيث أصبحت مباشرة وصدامية، أشبه بالبيانات أو الخطب السياسية. الصور الشعرية اتجهت إلى الشعارات والمفردات القوية والجريئة مثل “الخشب”، “التخلف”، و”النفط”، ما جعلها أقل عمقًا وأكثر وضوحًا لتوصيل رسائل تحريضية.
فكريًا، ركز نزار خلال هذه المرحلة على نقد الذات العربية بشكل قاسٍ ودعوة صريحة للثورة والتغيير السريع، مع هجوم واضح ضد الأنظمة.
على المستوى الفني، رأى بعض النقاد أن هذه المرحلة أقل إبداعًا فنياً؛ إذ تغلب الجانب التحريضي على الرمزية والعمق الشعري للاهتمام بالتأثير اللحظي والصدمة السريعة للجمهور.
مرحلة التوفيق (الفترة المتأخرة)
في هذه الفترة حاول نزار استثمار الوعي السياسي العميق في أشكال شعرية أكثر توازنًا.
من أبرز أمثلة هذه المرحلة قصيدة “بلقيس”، التي رغم كونها مرثية شخصية لزوجته، إلا أنها تحولت إلى مرثية وطنية تعكس الألم الفردي والجرح الجماعي للوطن المنهار. امتزج فيها البعد العاطفي بالسياسي بمنتهى الروعة دون الانجرار إلى المباشرة أو الشعارات. بهذا جاءت هذه المرحلة نموذجًا فنيًا لامتزاج المشاعر الشخصية بالقضايا الوطنية في قوالب راقية وعميقة.