محمد حوام يكتب | الكلاسيكية في زمن الذكاء الاصطناعي

0

في زمن الشاشات والأرقام وهيمنة الذكاء الاصطناعي، لم يعد التقدم يُقاس بسرعة التكنولوجيا وحدها بل بقدرة الإنسان والدولة على الحفاظ على المعنى وسط هذا التسارع.لقد تغيّرت طبيعة العالم ولم تعد الصراعات تُخاض بالسلاح فقط، بل بالعقول والبيانات وتوجيه الوعي الجمعي عبر منصات رقمية وخوارزميات غير مرئية.
السياسة في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد خطابًا أو برنامجًا انتخابيًا، بل أصبحت معركة سرديات.من يملك القدرة على توجيه المعلومة والتحكم في تدفقها وصياغة الإدراك العام يملك نفوذًا قد يفوق القوة العسكرية.وهنا يكمن الخطر؛ حين تتحول السياسة إلى ردّ فعل سريع وتُدار الدول بمنطق “الترند” لا بمنطق الدولة.
وسط هذا المشهد المعقد تبرز الكلاسيكية لا باعتبارها حنينًا إلى الماضي بل باعتبارها منظومة قيم تحفظ التوازن.الكلاسيكية تعني احترام الفكرة قبل الأداة والمؤسسة قبل اللحظة والاستمرارية قبل المكاسب السريعة.وهي بهذا المعنى ليست عائقًا أمام التطور بل صمام أمان يمنع انحرافه.
لقد أثبتت التجارب أن الدول التي اندفعت نحو الحداثة بلا مرجعية وجدت نفسها أمام فوضى رقمية حيث تُحرّك الجماهير بالعاطفة وتتخذ القرارات تحت ضغط اللحظة.فالذكاء الاصطناعي بلا إطار أخلاقي لا يصنع نهضة، بل يضاعف الأزمات ويكشف هشاشة المجتمعات التي تخلّت عن ثوابتها.
الكلاسيكية في السياسة تعني الانضباط وتحمل المسؤولية والإيمان بأن بناء الدولة مشروع طويل الأمد لا سباقًا قصيرًا.وتعني أيضًا أن التكنولوجيا وسيلة في يد الإنسان لا سلطة فوقه.فالدولة القوية ليست تلك التي تمتلك أحدث الأنظمة فقط، بل التي تعرف كيف تستخدمها دون أن تفقد هويتها.
في عالم تُختزل فيه الوطنية أحيانًا في شعارات رقمية تذكرنا الكلاسيكية بأن الأوطان لا تبنى بالضجيج، بل بالعمل الصامت والتخطيط واحترام العقل العام.وأن التقدم الحقيقي هو الجمع بين الحداثة والعمق بين السرعة والحكمة.
إن التحدي الأكبر اليوم ليس في اللحاق بالمستقبل بل في الوصول إليه دون أن نفقد أنفسنا.ولهذا فالكلاسيكية ليست ماضيًا تجاوزه الزمن،بل دستور حياة وأساس دولة وبوصلة وعي في زمن بلا يقين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.