واثق عبدالنبي يكتب | في معنى المثقف والثقافة (1-2)

0

في معنى المثقف والثقافة (1-2)
واثق عبدالنبي

إن أول من أدخل كلمتي مثقف وثقافة إلى اللغة العربية هو الكاتب المصري الكبير سلامة موسى (1887-1958)، فقد ذكر في كتابه (مقالات ممنوعة) (وقد كنت أنا أول من استعمل كلمة “ثقافة” بمعناها العصري، وكان ابن خلدون هو الموحي إليّ به)، وكان ذلك في مقالته المعنونة (ابن خلدون والعرب). ولا يكاد يخلوا كتاب من كتب سلامة موسى من تأكيد على أهمية الثقافة وضرورة التثقف، وقد برز هذا الاهتمام في كتابة (التثقيف الذاتي أو كيف نربي أنفسنا). وفي جميع ما كتب عن الثقافة، أكد على أن الثقافة مرتبطة بالفكر وليس بالسلوك أو العمل. لذلك، كان حريصاً على القول (أن الثقافة هي ما نفكر به والحضارة هي ما نعمل به). ومنذ أن صاغ سلامة موسى كلمتي مثقف وثقافة ولغاية كتابة هذه المقالة، ظهرت العديد من التعريفات والتفسيرات والشروحات المختلفة والمتباينة لمعناهما، مما أدى إلى لبس كبير وخلط كثير في مفهوم المثقف والثقافة. هذه المقالة هي محاولة لترتيب الأوراق ووضع النقاط على الحروف، عَلّها تكون محاولة ناجحة.

تعريف المثقف والثقافة

المثقف هو الشخص الذي يملك آراء مدروسة أتجاه قضايا الحياة المهمة. وبالتالي فأن الثقافة هي مجموعة الآراء المدروسة التي يملكها الفرد أتجاه قضايا الحياة المهمة. تعمدنا في هذا التعريف أن نطلق كلمة (آراء) بدلاً من (حقائق) على النتيجة الفكرية التي يتوصل لها المثقف، وذلك للابتعاد عن دائرة احتكار الحقيقة. أما كلمة (مدروسة) فالمقصود منها اتباع مناهج التفكير العلمي، وهي التفكير المنهجي والنقدي والابداعي، لأنه بدون هذه الطرق الثلاث لا يمكن أن نصف الرأي الذي تم التوصل اليه على أنه (رأي مدروس). أما عبارة (قضايا الحياة المهمة) فهي تعبر عما يراه الشخص نفسه من أهمية. فليست كل القضايا مهمة لجميع الناس. فما يراه البعض مهماً قد لا يكون كذلك لغيرهم. فهي قد تكون مهمة لأنها تنسجم مع اهتمامات الشخص وامكانياته العقلية والمعرفية. يضاف إلى ذلك، ما تمليه طبيعة الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فضلاً عن ذلك كله، فأن سنوات العمر البشري محدودة ولا تسمح للإنسان بدراسة جميع قضايا الحياة. ولكن هذا لا يمنع من وجود قضايا يمكن الاجماع على أهميتها، كما سيتم ذكره لاحقاً.
من هذا التعريف نتوصل إلى عدد من الاستنتاجات. أولها، إن كل شخص منا هو مثقف بالقدر الذي يملكه من آراء مدروسة اتجاه قضايا الحياة المهمة. ثانيها، إن الشخص قد يكون مثقفاً في قضايا موضوع ما وغير مثقفاً في قضايا موضوعات أخرى. ثالثاً، أن موضوعات الثقافة هي اختيار شخصي قبل كل شيء.

أصناف المثقفين

بالاستناد إلى طبيعة القضايا المهمة التي يعمل المثقف على إيجاد رأي مدروس فيها، يمكن تصنيف المثقف إلى صنفين: الموسوعي والتخصصي. المثقف الموسوعي هو الذي يسعى إلى تكوين آراء مدروسة في مجالات متعددة (اجتماعية ودينية وسياسية واقتصادية وعلمية وغيرها)، وتكون موسوعيته متناسبة طردياً مع تنوع وتعدد القضايا التي كون رأي مدروس فيها. أما المثقف التخصصي فهو الذي يسعى إلى تكوين آراء مدروسة في مجال واحد يتعمق فيه ويدرس أدق تفاصيله. وهنا من المهم التأكيد على أن الصنفين قد يتداخلان، فمثلاً مثقف مختص بعلم الاجتماع الديني، لكنه في نفس الوقت كون أراء مدروسة في تخصصات أخرى عديدة. في هذه الحالة هو مثقف تخصصي وموسوعي في آن واحد.

هل يجب على المثقف أن يكون فاعلاً أو مؤثراً؟

الكثيرون يشترطون في المثقف أن يكون فاعلاً أو مؤثراً في مجتمعه، وإنهم لا يقبلون إطلاق صفة مثقف على الشخص ما لم يكن كذلك. ولكننا، ووفقاً للتعريف أعلاه، نرى أنه لا يشترط في المثقف أن يكون فاعلاً أو مؤثراً في مجتمعه، بل ولا في أي فرد عدى نفسه. يكفيه أن يكون له رأيه الخاص في قضايا الحياة المهمة بالنسبة له والتي يستقطر منها الحكمة التي يعيش بها فترة حياته. الإنسان ينشد المعرفة ومن ثم الثقافة لكي يصل إلى الحكمة، أي سداد الرأي وحسن التدبير، وبتعبيرنا المعاصر (طريقة العيش) التي تحقق له السعادة أو درجة منها. لذلك، فالثقافة هي شأن فردي قبل كل شيء.
مع هذا، فأن هناك من لا يستطيع أن يكون سعيداً لوحده، لذلك هو يسعى إلى أن يَسعد الناس من حوله. ولتحقيق ذلك فأنه يشتبك مع كل ما يعيق تحقيق هذه السعادة. وهذا الاشتباك يكون بوسائل ومستويات متعددة، منها الخطابة والكتابة بأصنافها المختلفة (مقالة، قصة، رواية، قصيدة.. الخ) والفنون (الرسم، النحت، التمثيل، الغناء، الموسيقى.. الخ)، ومنها العمل الحزبي والسياسي (تشكيل الأحزاب والتظاهر والمشاركة في الانتخابات.. الخ). هذه بعض وسائل ومستويات العمل التي يلجأ إليها المثقف لأجل ترقية عيشة الإنسان وسعادته. وهي كلها خيارات شخصية للمثقف، ولا يحق لاحد أن يجبره عليها، في حالة أراد أن يكون مثقفاً غير فاعل أو مؤثر اجتماعياً. ومن الجدير بالذكر هنا، أن بعض المشتغلين في هذه الوسائل قد يكونون من غير المثقفين، وليس لهم هدف أو غاية من القيام بها. هم يؤدونها فقط باعتبارها مهنة لهم يتكسبون منها أو هواية يستمتعون بها.
ولعله من المهم هنا الإشارة إلى طبيعة الأنظمة الاجتماعية والسياسية السائدة في بلداننا والتي تعمل على كبح رغبات المثقف في ممارسة دوره الفاعل والمؤثر لترقية عيشة الإنسان وسعادته وفقاً لما يراه وبما ينسجم مع الآراء المدروسة التي توصل لها. ففي الكثير من الحالات يتعرض المثقف إلى الاضطهاد والتنكيل وتشويه السمعة وغيرها من وسائل الضغط الاجتماعي والسياسي لغرض اسكاته وتقزيم دوره. وكما أخبرتنا التجارب العملية في وقعنا العربي، فأن الأمر قد يصل إلى حد الاغتيال الجسدي وليس المعنوي فقط، والأمثلة على ذلك كثيرة.

المثقف العضوي

استخدم مصطلح “المثقف العضوي” لأول مرة من قبل الفيلسوف الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891-1937). وأعرب عن اعتقاده بأن المثقفين يلعبون دوراً حاسماً في تشكيل قيم المجتمع ومعتقداته. فالمثقفون العضويون هم أولئك المندمجون بعمق في طبقتهم الاجتماعية ويعملون على تعزيز مصالحها.
ويكمن دور المثقفون العضويون في أنهم يعملون كجسر بين الجماهير والطبقة الحاكمة. وإنهم يساعدون في التعبير عن احتياجات وتطلعات طبقتهم وتطوير الوعي الجماعي. كما أنهم يلعبون دوراً رئيسياً في نشر المعرفة والأفكار التي يمكن أن تساعد في تمكين طبقتهم.
أما خصائص المثقفون العضويون فتكمن في أنهم عادة ما يكونون متعلمين جيداً ولديهم فهم عميق لمجتمعهم وتاريخه. كما أنهم متحمسون للعدالة الاجتماعية ويعتقدون أن المثقفين يتحملون مسؤولية استخدام معرفتهم لتحسين حياة الآخرين.
ونحن نعتقد أن المثقفين العضويون يشكلون حاجة ماسة في مجتمعاتنا التي تعاني من الفقر والجهل والمرض، في ظل حكومات دكتاتورية ومجتمعات استبدادية. ولعل إدوارد سعيد (1935-2003) كان يخاطب المثقف العضوي عندما قال: (تكون مثقّفاً عندما يكون لديك منطقك الخاصّ وآراؤك الخاصّة، وألّا تكون منساقاً وراء منطق وآراء الغير، وأن تكون لديك الجرأة والحرية الكافية في اختيار موقفك والتّعبير عنه بكلّ حريّة).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.