واثق عبدالنبي يكتب | في معنى المثقف والثقافة (2-2)

0

في معنى المثقف والثقافة (2-2)
واثق عبدالنبي

ذكرنا في تعريفنا للمثقف أنه لا يمكن للإنسان أن يكّون آراء مدروسة في جميع قضايا الحياة، فهذا أكبر من قدرات الإنسان الذهنية والنفسية، والأهم أنه أكبر من سنوات عمر الإنسان. لأجل هذا كان من الضروري التنويه إلى ما نعتقد أنها قضايا حياة مهمة شغلت الذهن البشري منذ بدايات نشأته.
الدين والسياسة والجنس هي ثلاث موضوعات شكلت وتشكل دائرة اهتمام العقل البشري لأنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بسعادته وبطريقة عيشه، على الرغم من أنها اعتبرت محظورات (تابهوات) عبر أزمنة الاستبداد الطويلة. لذلك، كان لازماً على كل مثقف أن يكون لديه آراءه المدروسة حول هذه القضايا الثلاث. ولا يكفي أن يقوم المثقف بدارسة كل واحدة منها على حدة، بل الأجدر به أن يدرس العلاقات الظاهرة والخفية بينها.
الاقتصاد هو الموضوع الرابع الذي لا يكاد ينفصل عن الموضوعات الثلاث المذكورة (الدين والسياسة والجنس)، بل هو لصيق بها اشد الالتصاق. فالاقتصاد هو أحد اركان المؤسسة الدينية، وهو أيضاً أحد أهم موضوعات السياسة والمحدد لأهم وأكبر مدرستين فيها وهما المدرسة الاشتراكية والمدرسة الرأسمالية. والاقتصاد أيضاً هو الذي يجعلنا نتعرف على المؤسسات المالية الضخمة المرتبطة بتجارة الجنس وما يترتب عليها من مواقف أخلاقية وإنسانية.
هذه الموضوعات الأربعة بجب أن يتم دراستها وفقا لمنهج علمي قائم على ثلاث أساليب من التفكير هي المنهجي والنقدي والابداعي. ولا يمكن للمثقف أن يجيد هذه الأساليب الثلاث ما لم يدرس علماً من العلوم الحديثة (الطبيعية أو الإنسانية). فالمنهج العلمي هو أهم أداة بيد المثقف والتي بدونها لا يمكن أن يكون مثقفاً، وذلك لأن أي رأي يقدمه المرء لا يمكن وصفه بالمدروس مالم يكن خاضعاً لمناهج البحث العلمي.
ولأن لغتنا العربية وما مكتوب بها من محتوى معرفي محدود قياساً بما أنجزته البشرية جمعاء، فأنه من الواجب على المثقف العربي أن يتعلم لغة غير اللغة التي نشأ عليها، حتى يفتح لنفسه أبواب معرفية جديدة. وأهم اللغات في هذا المجال وأكثرها نفعاً من وجهة نظرنا هي اللغة الإنكليزية، وذلك لغزارة المحتوى المعرفي المكتوب بها. فبها يمكن أن تنفتح أبواب معرفية واسعة لا حدود لها للمثقف. من خلالها يمكن أن يكّون آراء مدروسة في موضوعات مختلفة بناءً على معارف جديدة ما كان له أن يطلع عليها لو اكتفى بتعلم لغته الأم. ومن المهم أن نذكر هنا دور الترجمة في توفير هذه المعارف، فكلما زادت الترجمة كماً ونوعا قل العبء على المثقف في البحث عن المعلومة في لغتها الأصلية.
باختصار، الموضوعات الأهم التي يحتاج المثقف أن يكون رأياً مدروساً فيها هي الدين والسياسة والجنس والاقتصاد والعلم. ولكي يحقق أعلى مستوى من المعرفة التي تؤهله بتكوين هذه الآراء المدروسة عليه أن يتعلم لغة من اللغات غير اللغة التي نشأ عليها، وانفع تلك اللغات هي اللغة الإنكليزية.

القراءة والثقافة

القراءة هي إحدى وسائل الحصول على المعرفة، وبالتالي هي مصدر المعلومات التي يحتاج إليها الفرد ليصل إلى رأي مدروس في قضايا الحياة المهمة وتحقيق شرط الثقافة. ورغم تعدد مصادر المعرفة في زمننا إلا أن القراءة تبقى هي الأهم. وحتى مع ظهور الكتاب الصوتي أو المسموع، فأن كلمة قراءة ما تزال هي الصحيحة في الاستخدام. الفرق أن هناك من يقرأ لك بدلاً من أن تقرأ أنت بنفسك. لذلك تجد من يقول (اقرأ بإذنيك). يضاف إلى القراءة، ذلك الكم الهائل من الندوات والمحاضرات والأفلام الوثائقية وفي مختلف التخصصات والتي أصبحت مصدراً لا غنى عنه في زيادة معارف الفرد. ومع ذلك كله، فأن الفرق بين المثقف والقارئ يبقى قائماً. فليس كل من حصل على هذه المعارف صار مثقفاً. فشرط المثقف هو امتلاك الرأي المدروس كما ذكرنا. لذلك، يجب التفريق بين القارئ وبين المثقف. فنحن نقول فلان قارئ جيد وفلان مثقف جيد. وليس من الصحيح إطلاق كلمة مثقف على القارئ حتى ولو كان نهماً، مالم يتوصل إلى آراءه المدروسة الخاصة اتجاه القضايا التي يقرأ فيها.

التعليم والثقافة

وما يقال عن القراءة، يمكن أن يقال عن التعليم. فمهمة التعليم هي تزويد المتعلم بكم من المعارف في مجالات مختلفة في مراحل التعليم الأساسي وفي مجال محدد في مراحل التعليم الجامعي. وفي كلا الحالتين يجب التأكيد على أن التعليم لا يعني الثقافة. وأن كثرة المتعلمين في مجتمعاتنا لا تعني كثرة المثقفين. وهذا الأمر يجب التأكيد عليه خصوصاً مع تدني مستوى التعليم واعتماده الكامل على التلقين الذي هو وسيلة للقمع. في هذا النوع من التعليم تعلوا ملكة الحفظ على ملكة التفكير. وهذا يقود إلى أن المتعلم يصبح عاجزاً عن امتلاك مهارة التفكير العلمي التي هي الأساس في تكوين الرأي المدروس الذي يحتاج إليه المثقف. لذلك، من المهم التفريق بين المتعلم والمثقف. ومن الجدير بالذكر قبل إنهاء هذه الفقرة، القول إن هناك مستوى أدنى من المتعلمين ظهر في مجتمعاتنا هو مستوى حملة الشهادات. فهناك من يحمل شهادة ولا يحمل معارفها. فهو جاهل بها رغم امتلاكه وثيقة تؤكد حصوله عليها. وهذه هي إحدى مهازل التعليم في عاملنا العربي.

المثقف والمفكر

إذا استطاع المثقف أن يجمع ويحلل ما توصل له من آراء مدروسة في موضوع ما، وتوصل إلى رأي أو موقف أو فكرة جديدة، فهو بذلك انتقل من مستوى المثقف إلى مستوى المفكر. لذلك، فأن الثقافة هي مرحلة يجب أن يمر بها كل مفكر. فلا يمكن تخيل مفكر يأتي بجديد دون أن تكون له القدرة على التفكير المنهجي والنقدي والابداعي تؤهله لتكوين آراء مدروسة في قضايا الحياة المهمة، وبالتالي التوصل إلى ما لم يتوصل له الآخرون. إذن، كل مفكر هو مثقف، ولكن ليس كل مثقف هو مفكر.

التراثية والثقافة والحضارة

التراثية هي مصطلح قدمه عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي (1913-1995) كتعريب للكلمة الانكليزية (culture) والتي عربها كثيرون خطأ على أنها “ثقافة” أو “حضارة” وبهذا نشأ الخلط وسوء الفهم. قدم الوردي هذا التعريب في عدد من مقالاته المنشورة في جريدة الاتحاد خلال عام 1989، والتي تم جمعها فيما بعد سعدون هليل في كتاب بعنوان (علي الوردي.. في النفس والمجتمع العراقي). يُعرف الوردي التراثية على أنها (مجموعة المعتقدات والقيم والتقاليد والعادات والمألوفات التي يتميز بها مجتمع عن آخر، والتي ينشا عليها الإنسان منذ طفولته في مجتمعه المحلي).
إن استخدام كلمة تراثية، بمعناها المذكور أعلاه، بدلاً من ثقافة هو إحدى الوسائل التي تعيننا على الفهم الدقيق لمعنى المثقف والثقافة. فقد وجدت أن الكثير من الكتاب يستخدمون خطأً كلمة ثقافة للتعبير عن مجموعة المعتقدات والقيم والتقاليد والعادات والمألوفات السائدة في مجتمعاتنا والتي ورثناها وتربينا عليها دون أن يكون لنا رأي مدروس فيها. لذلك، فهي جزء من تراثيتنا وليست جزءً من ثقافتنا. وهذا لا يعني بالطبع أن نهمل التراثية، فهي إحدى الموضوعات المهمة التي يجب على المثقف العناية بها وتكوين رأي مدروس في كل قضية من قضاياها، خصوصاً وأنها مزيج من الدين والسياسة والجنس والاقتصاد، وهي الموضوعات التي قلنا إنها من أولويات المثقف.
ومن الجدير بالذكر هنا أن كلمة تراثية تتضمن الجانبين الفكري والسلوكي. بعبارة أخرى، أن كلمة تراثية تشتمل على معنى الثقافة (وهي ما نفكر به) ومعنى الحضارة (وهي ما نعمل به). لذلك، نجد أن بعضهم عبر عن التراثية بالثقافة وبعضهم عبر عنها بالحضارة. وهكذا نشأ اللبس والخلط بين مصطلحات الثقافة والحضارة.
وهذا يقودنا إلى موضوع ذي صلة، وهو هل كل مثقف متحضر؟ والجوب هو أنه يمكن للمثقف أن يكون غير متحضر في حالة مارس سلوكاً شخصياً فيه تعدي على حريات أو حقوق الآخرين. إننا نفترض أن لمجموعة الآراء المدروسة التي توصل لها المثقف تأثيراً على سلوكه، وهذا الافتراض قد يكون صحيحاً في الكثير من الحالات، لكن ليس جميعها. لذلك، فأن المثقف ليس بالضرورة أن يكون متحضراً، كما أن المتحضر ليس بالضرورة أن يكون مثقفاً.

تغييب تعريف المثقف والثقافة

لاحظنا أن هناك كتاب عديدون يكررون مقولة أنه لا يوجد تعريف للثقافة أو أنه من الصعب إيجاد تعريف لها. ونحن هنا لا نتفق معهم في هذا الأمر. فنحن نعتقد أن إحدى القضايا المهمة التي يحتاج المثقف أن يكّون رأياً مدروساً فيها هي قضية الثقافة نفسها. فمن واجب المثقف أن يجد تعريف للمثقف وللثقافة. ومن واجبه أن يعرف الفرق بين المثقف والمتعلم، وبين المثقف والقارئ، وبين المثقف والمفكر، وبين المثقف والمتحضر، وأن يعرف الفرق بين الثقافة والتراثية والحضارة، وألا يقع في خطأ الخلط بينها. فإذا كان الحال كذلك، فلماذا نجد من يدعي عدم وجود تعريف للمثقف وللثقافة؟ في رأينا أن هناك سببين لهذا الادعاء، هما:
أولا: إن من يدعي عدم وجود أو إمكانية وجود تعريف للمثقف والثقافة هم بعض المتعلمون وليس المثقفون. وذلك لأن المتعلمون لم يصلوا بعد إلى مستوى يؤهلهم لتكوين رأي مدروس في قضايا الحياة المهمة، ومنها قضية الثقافة، ولكنهم بدلاً من أن يقولوا بعدم معرفتهم بمعنى المثقف والثقافة، يفضلون القول بعدم وجود تعريف لهما.
ثانيا: إن بعض المثقفين يرون في أنفسهم تميزاً عن الآخرين. ولكي يعززوا هذا التميز، فمن الواجب في نظرهم الاحتفاظ بهالة من الغموض تحيط بهم. وأحد صور الغموض هذه هي صعوبة توصيفهم أو تعريفهم. فهم يرون أنهم أعقد وارفع من أن يكون لهم تعريف. فهذا التعريف يحددهم ويحجمهم. وهو ما لا يريدونه. وهم في ذلك يتبنون مفهوم (اسطورة الأدب الرفيع) التي تصور العظمة والتميز بالتعقيد والغموض وليس بالتبسيط والوضوح.
من هذا نفهم أن من يميلون إلى تغميض معنى المثقف ويدعون عدم وجود تعريف له هم في واقع الأمر أما المتعلمون الذين لا يملكون أو لا يعنيهم أن يملكوا تعريفاً للمثقف، أو هم المثقفون أنفسهم الذين يرون في غياب تعريف للمثقف تعقيداً وغموضاً يزيد من التعظيم والتمجيد الذي يحيطون به أنفسهم.
بالنسبة لنا، نعتقد جازمين أن من يبذل جهداً في إيجاد أو تكوين رأي مدروس اتجاه قضايا الحياة المهمة، لا بد له أن كون رأياً مدروساً عن أهمية التواضع في حياة الافراد والجماعات، وعن أهمية الوضوح عبر تحديد معاني الكلمات في تحسين عيشة الإنسان وسعادته. فاللغة هي أداة تفكير، وإذا كانت هذه الأداة غامضة، فعندها سوف يصعب استخدامها ولا تحقق اغراضها. ومن كلمات لغتنا التي تحتاج إلى توضيح وتحديد هما كلمتي مثقف وثقافة. ولأجل ذلك كتبنا هذه المقالة.

المثقف هو الشخص الذي يملك آراءً مدروسة اتجاه قضايا الحياة المهمة. والثقافة هي مجموعة تلك الآراء المدروسة. والمثقف أما أن يكون موسوعي أو تخصصي. ولا يشترط في المثقف أن يكون فاعلاً أو مؤثراً في مجتمعه، لأن الثقافة شأن فردي بالأساس. ولكن هذا لا يمنع أبداً من القول بضرورة وجود المثقف الفاعل أو المؤثر في مجتمعاتنا وذلك لحاجتنا الماسة له لأجل ترقية عيشة الإنسان وسعادته. إن قضايا الحياة المهمة التي ينبغي للمثقف تكوين رأي مدروس فيها عديدة، وتشمل كل جوانب الحياة، وتحديدها يعود للمثقف نفسه. مع هذا فيمكن القول إن الدين والسياسة والجنس والاقتصاد والعلم هي الموضوعات ذات الأولوية. وأن أدوات المثقف في تكوين آراء مدروسة في هذه الموضوعات هي التفكير العلمي المنهجي والنقدي والابداعي. كما أن المثقف يحتاج إلى اجادة لغة غير اللغة التي نشأ عليها في حال تعذرت الترجمة عن توفير ما يحتاج أليه من معارف. وربما لاحظ القارئ أن هناك مستويات معرفية متعدد تبدأ بحامل الشاهدة، مروراً بالمتعلم، والقارئ، والمثقف، وصولاً إلى المفكر. وأنه من الضروري التفريق بين ثلاثة مصطلحات هي الثقافة والحضارة والتراثية. وأخيراً، يجب الاعتراف بإمكانية وجود تعريف محدد للمثقف والثقافة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.