عبدالله التميمي يكتب | التسويق الفيروسي والفنون المعاصرة

0

التسويق الفيروسي والفنون المعاصرة
عبدالله التميمي

في هذا العصر الرقمي، أصبحت الفنون المعاصرة لا تقتصر على كونها تجربة جمالية تعرض داخل صالات العرض، بل تحولت إلى صناعة ورواية قصص تُروى وتنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، بفضل التسويق الفيروسي الذي يُعيد تعريف مفهوم الترويج وكيفية تقديم الأعمال الفنية للمتلقي على مستوى العالم بشكل غير تقليدي.
الفن المعاصر غالبا ما يتميز بمرونته وقدرته على اثارة التساؤلات وإثارة النقاش حوله، مما يجعله أكثر توافقًا مع طبيعة الإعلام الرقمي. لم تعد اللوحات أو المنحوتات مجرد أعمال تُعرض لتُشاهد فقط، بل أصبحت قصصًا تنبض بالحياة من خلال تفاعل الجمهور معها بصورة شبكية “خوارزمي”. هذه الديناميكية في سرعة الانتشار تفتح للفن آفاقًا جديدة في تسويق الابداع حيث يُمكن لأبسط الأفكار المثيرة للاستفزاز أن تتحول إلى ظاهرة تلاحقها وسائل الاعلام.
من أبرز الأمثلة على ذلك، لوحة “الموزة” المثيرة للجدل للفنان الإيطالي ماوريتسو كاتلان، التي ظهرت لأول مرة في معرض آرت بازل بميامي عام 2019 تحت عنوان “Comedian”. كان هذا العمل المفاهيمي عبارة عن موزة مثبتة بشريط لاصق رمادي على الجدار، وهي فكرة قد تبدو للبعض عبثية وسخيفه، لكنها في الواقع حملت في طياتها رسالة عميقة حول حجم الأله الاعلامية الرأسمالية على مستوى العالم. فضلا على تسليط الضوء على اعادة تعريف الفن في العصر الرقمي.
ما جعل هذا العمل محط الأنظار، لم تكن الفكرة فقط في الرسالة، بل الطريقة التي اجتاحت بها وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بعد أن بيعت بمبلغ 120,000 دولار. حيث انه في غضون ساعات، تحول هذا العمل المفاهيمي إلى محتوى انتشر على المواقع الإلكترونية بشكل شبكي مثل الفيروس، حيث تداولها الملايين على صفحاتهم مصحوبا بتعليقات ساخرة ومناقشات حول حقيقية الرقم الذي تم دفعه على هذا العمل .
التسويق الفيروسي هنا اعتمد على المستخدمين لنشر الرسالة، مما لعب دورًا محوريًا في هذا النجاح، فضلا عن السخرية والتعليقات والجدل الذي تم إدارته حول قيمة “الموزة” كمفهوم فني، ساهم ايضا في إبقاء العمل في دائرة الضوء لفترة، مما أدى إلى تحويله من عمل بسيط إلى سلعة تسبتدل بالمال حتى وصل سعرها في مزاد سوثبي مؤخرا الى 6 ملايين دولار على ما اعتقد.
من هنا تبرز فكرة صناعة الخبر والصوره، وكيف يمكن ان يكون المتلقي على منصات التواصل الاجتماعي مساهم في الترويج للمنتج، في حال تمت مشاركته او التعليق عليه. وهذا ما يسمى بالتسويق الفيروسي الشبكي. فالهدف هنا لم يعد مجرد بيع العمل الفني، بل إشراك الجمهور في التعليق وسرد قصص عن هذا الخبر، وتحويله إلى جزء من النقاش اليومي على مستوى العالم.
في ظل هذه الديناميكية المتسارعه، بات الابتكار في تسويق الفنون المعاصرة ضرورة لا غنى عنها. فالإعلام الرقمي الوسائطي، بقوته وانتشاره، يمكن ان يساعد الفنانين في الوصول إلى شريحة اكبر من جمهور صالات العرض التقليدية، مما يجعل أعمالهم ليست فقط لتجميل الجدران وجذب زملائهم الفنانين، بل مساحة لحوارات ممتدة في العالم الرقمي على مستوى العالم. وبذلك، يصبح الفن المعاصر الوسائطي، شاهدًا على كيفية تحول الإبداع إلى ظاهرة تُحدث تأثيرًا يتجاوز حدود الجدران الصامته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.