إيمان ممتاز تكتب | الوعي المجتمعي والتنمية الحقيقية

0

الوعي المجتمعي والتنمية الحقيقية
إيمان ممتاز

أثناء الحديث المتكرر عن التنمية، تتجه الأنظار غالبًا إلى المشروعات الاقتصادية والبنية التحتية والخطط الاستراتيجية، بينما يتم تجاهل الركيزة الأهم التي تُبنى عليها كل أشكال التقدم وهى الوعي المجتمعي. فالتنمية الحقيقية تبدأ من عقل الإنسان وإدراكه لدوره ومسؤوليته داخل المجتمع.

الوعي المجتمعي هو إدراك الفرد لحقوقه وواجباته، وفهمه لطبيعة المجتمع الذي يعيش فيه، وقدرته على التمييز بين السلوكيات التي تخدم الصالح العام وتلك التي تهدمه. وهو لا يقتصر على المعرفة النظرية، بل ينعكس في السلوك اليومي، وطريقة التفكير، والتعامل مع الآخر، واحترام القوانين، والمشاركة الإيجابية في الشأن العام.

لأن أي خطة تنموية، مهما بلغت دقتها، ستفشل إذا لم تجد مجتمعًا واعيًا قادرًا على استيعابها وحمايتها واستدامتها. فالمواطن غير الواعي قد يهدر الموارد، ويقاوم التغيير، ويُسهم دون قصد في تعطيل مسار التنمية.
بينما المواطن الواعي:
• يحافظ على الممتلكات العامة
• يلتزم بالقانون دون رقابة
• يشارك في حل المشكلات بدل الاكتفاء بالشكوى
• يدعم المبادرات الإيجابية ويقاوم الفساد

لا يمكن الحديث عن وعي مجتمعي حقيقي دون التطرق إلى الصحة النفسية. فالفرد المضطرب نفسيًا أو المحمَّل بالإحباط والغضب غير المعالج، يصعب عليه أن يكون عنصرًا فاعلًا في مجتمعه.
الوعي النفسي يساعد الأفراد على:
• فهم ذواتهم وتنظيم انفعالاتهم
• تقبل الاختلاف واحترام الآخر
• حل النزاعات بطرق صحية
• تربية أجيال أكثر اتزانًا وقدرة على العطاء
ومن هنا، تصبح الصحة النفسية جزءًا لا يتجزأ من مشروع التنمية المجتمعية.

والأسرة هي المدرسة الأولى للوعي، ومنها يتعلم الطفل معنى المسؤولية والانتماء والاحترام. أما التعليم، فليس مجرد تلقين للمعلومات، بل أداة لصناعة العقل النقدي، وتعزيز قيم الحوار، وقبول التنوع، والعمل الجماعي.
عندما تفشل الأسرة أو المدرسة في أداء هذا الدور، يظهر جيل يفتقد البوصلة، سهل الانقياد، ضعيف الانتماء، وهو ما ينعكس سلبًا على المجتمع بأكمله.

كما يلعب الإعلام دورًا محوريًا في تشكيل الوعي المجتمعي، إما بالبناء أو الهدم. فالمحتوى الواعي يمكن أن يرفع مستوى الإدراك الجمعي، بينما يؤدي المحتوى السطحي أو التحريضي إلى تشويه القيم ونشر الارتباك الفكري.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى خطاب إعلامي مسؤول، يركز على التوعية لا الإثارة، وعلى الحلول لا تضخيم الأزمات.

قد تنجح بعض المجتمعات في تحقيق قفزات تنموية سريعة، لكنها سرعان ما تتراجع إذا غاب الوعي المجتمعي. فالوعي هو الضامن للاستمرارية، وهو ما يحول الإنجازات من إنجازات وقتية إلى مكتسبات راسخة.

الوعي المجتمعي هو شرط أساسي لأي تنمية حقيقية ومستدامة.
فحين نُنمّي وعي الإنسان، نضمن تلقائيًا تنمية المجتمع، وحين نهمل هذا الوعي، فإننا نهدم بأيدينا ما نحاول بناءه بخطط ومشروعات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.