معرض القاهرة الدولي للكتاب ليس مجرد موعد سنوي نضعه في أجندة الثقافة، ولا هو ساحة لبيع الكتب أو التقاط الصور التذكارية. لكنه، في جوهره، لحظة كاشفة، أشبه بمساحة عامة مؤقتة تُفتح فيها الأسئلة على مصراعيها، ويظهر فيها ما نحب أن نراه في أنفسنا، وما نحاول تجاهله طويلًا.
مع كل دورة جديدة، لا يقدّم المعرض الكتب فقط، بل يقدّم صورة مكثفة عن علاقتنا بالمعرفة وعن ماذا نقرأ ولماذا نقرأ؟ وهل لا نزال نؤمن أن القراءة فعل ضروري، أم مجرد عادة نخبوية تتآكل ببطء.
منذ انطلاقه في أواخر الستينيات، كان معرض القاهرة مرآة للتحولات الكبرى. لم يكن يومًا معزولًا عن السياسة أو المجتمع أو المزاج العام. بل كان في فترات متعددة ساحة اشتباك فكري حقيقي، وتحول في أوقات أخرى إلى مساحة اختبار لحدود التعبير، ثم إلى محاولة دائمة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمثقفين، وبين الثقافة والجمهور.
ظل المعرض، مع كل هذا، محتفظًا بخصوصية نادرة: كونه حدثًا ثقافيًا جماهيريًا بالمعنى الحقيقي للكلمة. يذهب الناس إليه كما يذهبون إلى السوق أو المتنزه؛ بفضول، وبأسئلة، وأحيانًا، بل في كثير من الأحيان، بلا خطة واضحة سوى الرغبة في الاكتشاف. وهذا ما يميّزه عن معارض عالمية كبرى تُدار بمنطق السوق الخالص أو النخبة الصارمة.
في فرانكفورت مثلًا، الكتاب سلعة عالمية تُقاس بالحقوق والعقود. وفي لندن، نجد أن صناعة النشر محكومة بالاحتراف والطلب. وفي باريس، لديهم حضور فكري أنيق للغاية لكن محدود الدائرة.
أما في القاهرة، فالكتاب لا يزال جزءًا من المجال العام، يتقاطع فيه المثقف مع الطالب، والباحث مع القارئ، والجدل الفكري مع هموم الحياة.
تحمل هذه الميزة نفسها تحمل خطرًا خفيًا وهو أن يتحول المعرض إلى احتفال دوري بلا أثر حقيقي، وإلى طقس سنوي نؤديه دون أن نسأل أنفسنا عما قد يبقى من أثر. نحن في حادة دائمة لتذكير أنفسنا أن الثقافة لا تُقاس بعدد الأجنحة ولا بزحام الأيام الأولى، بل بقدرتها على أن تترك أثرًا يتجاوز لحظة الحدث ويمتد بعده.
الكتاب ليس زينة ثقافية، لكنه أداة وعي متكاملة. ولهذا فمن المهم أن يكون المعرض مساحة حقيقية لطرح الأسئلة الصعبة حول الموضوعات الكبرى مثل: التعليم، والعدالة الثقافية، والتنوع، ومستقبل القراءة في عصر الخوارزميات. ولابد من المحافظة على هذه الحالة، كي لا يفقد المعرض جوهره تدريجيًا، حتى وإن بدا ناجحًا من الخارج.
أصبحنا في زمن يكافئ الجميع على السرعة والهستيريا، وبالتالي فإن الذهاب إلى معرض كتاب يصبح فعلًا بطيئًا على نحو مقصود. أن تذهب وتتوقف وتتصفح وتقرأ، كلها مقاومة هادئة لعالم يطالبك بالاستهلاك لا بالفهم. وربما لهذا السبب تحديدًا يظل معرض القاهرة مهمًا: لأنه يذكّرنا بأن المعرفة لا تزال ممكنة، وبأن الثقافة لا تزال قادرة على لعب دور يتجاوز الترف.
مع انطلاق دورة جديدة من معرض القاهرة الدولي للكتاب، لا نحتفل بالكتب وحدها، بل نختبر علاقتنا بذواتنا ونحاول فهم مدى رؤيتنا للثقافة كقوة حقيقية، وقدر ما نملكه من شجاعة لفتح النوافذ.