سعد علال يكتب | سلفادور دالي.. بين الحلم والواقع

0

لم يكن سلفادور دالي مجرد رسامٍ من طينة الموهوبين، بل حالة وجودية نادرة، انفجرت من رحم القرن العشرين لتعلن أن الخيال هو الوجه الآخر للحقيقة. في زمنٍ كانت فيه أوروبا تترنّح بين الحرب والجنون، خرج دالي من بين الدخان ليبني عالمًا سرياليًا لا يخضع لأي منطق سوى منطق اللاوعي.
في لوحاته، الزمن ليس خطًا مستقيمًا بل مادة طرية تذوب كما في لوحة إصرار الذاكرة. الأشياء تنكمش وتتمدّد، والوجوه تتشظّى، والفضاء يتحوّل إلى حلمٍ باردٍ يتنفّس الغموض. لم يكن دالي يرسم ما يراه، بل ما يتخيله قبل أن يولد. كان يقول: أنا لا أتعاطى المخدرات، أنا نفسي مخدّرٌ بذاتي.
بهذه العبارة اختصر الرجل فلسفته الفنية: أن يكون الفن صدمة، وأن يكون الخيال فعل مقاومة ضد القبح والعادي واليومي.
نشأ دالي في إسبانيا، في فضاءٍ يزاوج بين صلابة البحر الأبيض المتوسط وعمق التراث الكاتالوني، وقد انعكس ذلك في حسه الجمالي المفرط بالتناقض. فبين غرابة الشكل ودقة التفاصيل، جمع بين الهندسة والجنون، بين العلم والحلم، بين الواقعية المتقنة والهلوسة الشعرية.
لم يكن سلفادور دالي فنانًا فقط، بل ممثلًا ومسرحيًا ومفكرًا يكتب بجسده وصوره ما يعجز عنه الكلام. لقد جعل من ذاته عملًا فنيًا حيًا؛ من شاربه المرفوع إلى طريقته في الحديث والنظر إلى العالم. كل ما فيه كان مشهدًا من مشاهد لوحاته.
السريالية عند دالي لم تكن تيارًا فنيًا بقدر ما كانت ثورة داخل النفس البشرية، ثورة على منطق العقل وضيق الواقع. لقد جعلنا نؤمن بأن الحلم ليس هروبًا من العالم، بل وسيلة لفهمه بعمق أكبر. ففي لوحاته، تتقاطع الرغبة مع الخوف، والجمال مع القبح، والحياة مع الموت، في مشهدٍ بصري يختصر مأساة الإنسان في بحثه عن المعنى.
ربما لم يحبّه الجميع، وربما اتُهم بالغرور والجنون، لكنه كان يعرف أن الجنون شرط الإبداع، وأن الفنان الذي لا يجرؤ على عبور حافة العقل، لن يرى ما وراءها أبدًا.
لم يخلّف سلفادور دالي مدرسة بقدر ما ترك وصيّة جمالية تقول: “كن كما ترى أحلامك، لا كما يراك الآخرون.”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.