“الأرض كلها فندق وبيتي هو القدس”، هكذا يعبر البروفوسير إدوارد سعيد عن شعوره العميق بالاغتراب خارج موطنه الأصلي(فلسطين)، فالعالم كله مجرد أوتيل حيث الإقامة به مؤقته ومتوترة لأقصى درجة، ولحين تأتي لحظة الإياب، إنه العَود الأبدي الذي طالما حلم به سعيد، حيث اتصال الساق بالجذور، فإن كان هو الروح ففلسطين هي الجسد ولا يمكن له أن يعيش بمعزل عنها.
تُرى لو لم يغترب سعيد، أكان يُمكنه أن يُعطي كل هذا الإبداع وتتفجر مُكناته بهذا الشكل المخيف؟
إنها المحنة وقد تحولت إلى منحة، غير أن كل ما تريده أي محنة هو أن تصادف نفساً عظيمة تطمح للخلود، وتلك كانت نفس مُفكرنا إدوارد سعيد.
بمساعدة قابلة يهودية وهي تردد(يا سيدنا نوح خلِّص روح من روح) انبثق إدوارد سعيد للحياة كزهرة برية على مرتفعات القدس في العام 1935 لعائلة فلسطينية مسيحية، والتي ارتحلت لمصر حيث درس بالإسكندرية، ثم هاجر إلى الولايات المتحدة ليتدرج في السلك التعليمي وصولاً لكونه أستاذاً بجامعة كولومبيا.
كان لهزيمة يونيو 1967م أثراً مُدوياً في شخصية وحياة إدوارد سعيد، إذ جعلته ينخرط في السياسة مُرغماً، وكأنه كان يردد مع نزار قباني قوله:” حولتني يا وطني الحزين من شاعر يكتب الحب والحنين لشاعر يكتب بالسكين”.
ومن ثم بدأ هذا الحكَّاء العظيم يحكي قصة شعب تم قتل بعضه وتشريد البعض الآخر عام 1948م، ويفضح محاولة الصهاينة طمس الهوية الجماعية للفلسطينيين وتغييبها، بحجة أنه لم يكن هناك شعب فلسطيني يوماً ما، لقد أثار حفيظته ما قالته يوماً جولدا مائير: “لا يوجد شعب فلسطيني هناك بل كانت أرضاً خالية”، والذي هو امتداد لمقولة الكاتب البريطاني الصهيوني إسرائيل زانجويل ذائعة الصيت:”أرض بلا شعب(فلسطين) لشعب بلا أرض(اليهود)”، وعليه قطع سعيد على نفسه عهداً بتفكيك ودحض هذه الرواية المكذوبة في عمقها.
ومن ثم أبحر سعيد في الاتجاه المعاكس ليعلنها مدوية بأن الشعب الفلسطيني هو شعب ضارب بجذوره في أعماق التاريخ الإنساني، وأن أرض فلسطين كانت تعجُّ بالبشر وقت أن جاءت العصابات الصهيونية، إذ أكد أنه في عام 1948م كان يعيش في فلسطين حوالي مليون ونصف نسمة من الفلسطينيين.
يؤكد سعيد أن الصهاينة قد ارتكبوا مجازراً بشعة بحق الفلسطينيين وعليهم الاعتراف بها، يقول سعيد :” لا يمكن أن تكون هناك نهاية للصراع إلى أن تعترف إسرائيل بمسؤوليتها الأخلاقية عما فعلته بالشعب الفلسطيني، بما فيها مجازر صبرا وشاتيلا”.
وكان يحث كل أصدقائه على مقاطعة الشركات الإسرائيلية التي لها استثمارات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
لقد كان سعيد هو صوت العقل والمنطق لفلسطين الذي عليه تبعة تقويض أكاذيب الصهاينة وكشف وجههم القبيح أمام البشرية، في مقابل تثبيت حقيقة وجود شعب فلسطيني في الوعي الجمعي العالمي.
من هنا كان حديثه الدائب عن “حق فلسطين الضحية في إعلاء صوتها والجهر بآلامها” ضد الصهيونية التي حاولت كتم أنفاس الحقيقة، واغتيال الواقع، كان يقول: “أكافح من أجل إبقاء الجدل الدائر بشأن القضية الفلسطينية ملتهباً على الدوام”.
كان يقاوم الشتات والشعور بالاغتراب بمزيد من الكتابة، إذ يقول:” على الإنسان الذي لم يعد له وطن، أن يتخذ من الكتابة وطنا يقيم فيه”، كما أن النوم لديه هو المعادل الموضوعي للموت فعليه أن يبقى يقظاً قدر الإمكان، إذ أن لديه مشروعاً يريد إنجازه قبل نومه الطويل( موته)، وبالفعل أتم مهمته.
يقول سعيد:” لولا هؤلاء الصهاينة، والإمبرياليين، والمستعمرين، لكنّا الآن عظماء، ولما كنّا متخلفين”.
والحقيقة أنهم مسئولون عن كثير مما جرى لنا لكنه لا ينبغي أن نعفي أنفسنا من المسئولية، إذ أنها مسئولية مشتركة، بل نحن الأكثر إدانة فقبل الاستعمار هناك القابلية للاستعمار كما حدثنا مالك بن نبي، والأمم لا تموت قتلاً وإنما انتحاراً بحسب ما يذهب إليه أرنولد توينبي.
كان سعيد يعلم أن ثمن تبنِّيه قضية فلسطين هو فادح لأقصى درجة ممكنة، فهو السير عكس اتجاه الريح العالمية التي تهب باتجاه الكيان الصهيوني ووفق ما يزعمه الصهاينة وحدهم، يقول سعيد :” إن تبني قضية فلسطين هو أمر يعرضك للاضطهاد والنبذ والتغييب، لذا فإن كثيرون يتجنبون التصدي لهذه القضية”.
وبالفعل لقبه الصهاينة (بروفيسور الإرهاب)، وتلقى هو وعائلته تهديدات بالقتل إذ تم وضعه على قائمة الاغتيالات من قبل إحدى المنظمات اليهودية في أمريكا، ولقبته رابطة الدفاع اليهودية الإرهابية بـالمتطرف النازي، كما جرى إحراق مكتبه بجامعة كولومبيا عام 1991م.
كما تعرض إدوارد سعيد للكثير من الهجوم من قبل المستشرق الصهيوني برنارد لويس والذي اتهمه بمعاداة الغرب ووصفه بالجهل وأنه” يروج لمشروع هيمنة إسلامية”.
في كتابه الأشهر “الاستشراق” والذي صدر عام 1978، حاول سعيد تفكيك استراتيجية الاستعمار ودور المثقفين والمفكرين في إيجاد التبرير الفكري للفعل الاستعماري، فعبر كتابه هذا قوض الصورة الذهنية للشرق في العقل الغربي، تلك الصورة التي رسخها كثير من مفكري وفلاسفة عصر التنوير الأوروبي حيث تفوق الرجل الأبيض وسائر البشر هم من البرابرة الهمج الذين هم بحاجة لهذا الرجل الأبيض ليخرجهم من ظلمات التخلف إلى أنوار الحضارة .
لقد أماط سعيد ببراعة فائقة اللثام عن وجود تحالف شيطاني بين التنوير والاستعمار، ومن ثم فتح الباب واسعاً أمام ما يسمى بدراسات ما بعد الاستعمار، وقاد كثير من الأوروبيين للاعتراف بما جرى ارتكابه بحق شعوب الأرض، يقول البروفسير والمؤرخ الأميركي وليام هارت:”مفهوم الاستشراق بعدما أوضحه إدوارد سعيد ليس هو، ومن دون مبالغة، كما كان قبل إدوارد سعيد”.
ففي معرض تفكيكه للخطاب الكولونيالي ذهب إلى أنه خطاب استعماري يتخفى وراء دعاوى براقة لكنها زائفة في عمقها مثل الرغبة في نشر الديمقراطية والحرية بالعالم.