الإبراهيمي سالم يكتب | أرباح التكنولوجيا وخسائر العقل

0

التسويق يهوي إلى القاع، والذكاء الاصطناعي يتقدم سريعًا. ومع ذلك، تظل البرمجة مقيدة بأدواتها المختلفة، ولا توجد علاقة مطلقة تتحكم بين مشغلات الأكواد البرمجية والأجزاء التقنية المادية. فالمساعدة البرمجية تعجز عن التحكم الكامل في حجم وقدرات تلك الأجزاء التقنية، لذا يجب معرفة إمكانياتها أولًا قبل البدء في كتابة الأكواد، أو بمعنى آخر، يجب مراعاة النسبية بين البرمجيات والمكونات المادية.

في المقابل، فإن التطور في نقل البيانات عبر الشبكات غير المرئية لا يمكن إيقافه، كما لا يمكن تغيير مسار البيانات بسهولة بواسطة الأكواد وحدها. هذه المرونة التقنية تحتاج إلى أجهزة معقدة يصعب على الإنسان العادي تصنيعها أو تنفيذها. وهنا تتجلى المفارقة: التكنولوجيا نفسها تتقيد بالمادة التي تُصنع منها، فيسعى الإنسان إلى تعويض ندرة الموارد بتسويق أكبر قدر من التقنيات، حتى لا يقع في الخداع والفشل.

فالتكنولوجيا لا تستطيع مقاومة الأوهام ولا تحقيق الواقعية دون أدلة حقيقية. ولا يزال كشف الغموض والألغاز محيرًا أمام عجز الأدوات التقنية، بينما تعتمد مجالات الصدفة والتنبؤ على تجاهل بعض الحقائق التي قد تؤثر مستقبلًا على مصائر الواقع.

الجميع اليوم يبحث عن وسائل لحصاد أكبر قدر من الأموال دون قيود أو عواقب، وتُعد التكنولوجيا أبسط وسيلة لمواجهة تلك القيود. فمن خلالها يمكن رفع أسعار منتجات منخفضة التكلفة، أو تحسين جودة منتجات تتطلب أدوات صناعية معقدة. كما يمكن للمصانع زيادة تكلفة المنتج وتقليل الكمية، بينما في الواقع لا يحدث هذا دائمًا؛ إذ يعتمد تقليل الكمية على كفاءة الآلة أو التشغيل البشري، مع ثبات الزمن اللازم لإنتاج الوحدة الواحدة.

وجود التكنولوجيا في الصناعة يمنح المستهلك ثقة أكبر في جودة المنتج، حيث يُفترض أن الهدف الأساسي للتكنولوجيا هو تقليل الأخطاء وحل المشكلات قبل وصول المنتج إلى المستخدم النهائي. كما تحاول بعض الأدوات التقنية تحديد مدة زمنية لاستخدام المنتج قبل استهلاكه، وهي مدة قد تكون أطول أو أقصر من العمر الحقيقي للمنتج قبل إدخال التكنولوجيا الصناعية.

ومع تزايد قيود التصنيع، أصبح تحقيق الأرباح الهدف الأساسي، مهما بلغت التكاليف الفعلية. وعجز الإنسان عن تحقيق مبيعات مناسبة يدفعه إلى البحث عن ثغرات في المنتج التكنولوجي نفسه، بينما يسعى المنافسون إلى تقديم أساليب جديدة لجذب الجمهور.

لذلك، من يمتلك التكنولوجيا عليه الحفاظ على ثبات مستوى التطور وتسلسل الإنتاج، لتحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح مقارنة بنفقاته الفعلية، وليس فقط بالمقارنة مع المنافسين. فالجميع يجب أن يسعى إلى تحقيق التوازن بين التكاليف والأرباح.

وفي النهاية، جني الأموال ليس دائمًا إنجازًا، بل محاولة لتقليل الخسائر الناتجة عن أوهام لا واقع لها. فالتسويق في كثير من الأحيان خداع للعقول التي تجهل مخاطر المغامرة. وعلى الإنسان اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتفادي مخاطر التكنولوجيا الجديدة، ودراسة تأثيرها على المستخدم النهائي، والتعاون بين مختلف المجالات لضمان استخدام أدوات التكنولوجيا بصورة مسؤولة.

قطار التكنولوجيا لا يمكن إيقافه، لكن يمكن تحديد المسار الذي يسير فيه. فمهما بلغت المخاطر، يظل الإنسان قادرًا على مواجهة التحديات، وتقليل الخسائر يعتمد على قدرته على التخطيط والتنظيم. فالتكنولوجيا وحدها لا تحقق الأرباح دون تناغم مع باقي العوامل داخل البيئة الواحدة.
فالجميع قد يستمتع بالسقوط، إلا من امتلك العلم، لا المال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.