علي محمد اليوسف يكتب | بين الفكر واللغه (2-2)

0

بين الفكر واللغة (2-2)
علي محمد اليوسف

اذا اعتبرنا الصمت تفكيرا عقليا ذهنيا ولغة حوار داخلي غير معّبر عنه وغير مدرك,فهذا لا يعطي العقل تفويضا انه يفكّر بواسطة اللغة من دون الفكر.ولا بالامكان القطع بان العقل لايجري تفكيره الصامت بغير الفكرفي تداخله المتكامل مع اللغة صوريا بالذهن. الفكرهو محتوى شكل اللغة.
اللغة والفكر فعاليتهما الحقيقية في التعبير عن الموجودات والاشياء في الواقع المادي خارج العقل بعد تخليقها بالذهن وفي اعطاء العقل تفسيرا وفهما للاشياء موضوعة التفكير التخليقي في وجود الاشياء المستقل في العالم الخارجي او المواضيع التخييلية المنبعثة من ذاكرة الخيال العقلي وليس من الوجود المادي الواقعي للاشياء.
بمعنى استحالة التعبير بالفكر واللغة عن الشيء قبل ادراكه حسيا وعقليا ودون وصاية وتوجيه العقل, لان الفكر واللغة هما نتاج عقلي مرتبطان بالذهن والدماغ اكثر من ارتباطهما بواقع الاشياء المادية.ثم اذا كان الفكر انعكاس ديناميكي في اسبقية وجود الاشياء عليه, فهذا لا يمنح الافكار استغنائها عن اسبقية ادراك الحواس والعقل لها في فهم وتفسير الاشياء في وجودها الواقعي.
ان تفكير العقل بموضوع مادي موجود في العالم الخارجي, او بموضوع خيالي يبتدعه الخيال مادة لتفكيرالعقل داخليا, هما فعالية واحدة يقوم بها العقل وتحديدا الدماغ بمعزل عن تدخل اللغة والفكرالافصاحي لما يقوم به العقل من تخليق الشيء بالتفكيربه وفي دراسته كموضوع وعملية تخليقه من جديد في تبيان ماهيته ان امكن وصفاته وعلة وجوده المتعالق مع غيره من الاشياء ومدى اهميته في حياة الانسان وفي جوانب اخرى عديدة يرغبها الانسان في تلبية العقل اعطائها عن الشيء المدرك.,.
الفكر واللغة في التعبير عن الاشياء
ويبدو هنا ايضا اننا وقعنا في اشكال وتعقيد أعمق علينا توضيحه عندما نجد ان وسيلتي العقل في الادراك ومعاملته للاشياء لا تتم من غير اعتماد العقل للحواس والفكر واللغة في ادراكه الشيء والتفكير به سواء كان التفكيرداخليا (صمتا) على شكل حوارفكري لغوي ذاتي داخل العقل(الدماغ) ,او افصاحا عنه في التعبير اللغوي الصوتي عن وجود الاشياء المادية في الواقع او الموضوعات المتخيّلة كناتج علاقة الذاكرة بالعقل قبل كل شيء.
والوجود المادي والوجود الافتراضي التخيّلي لايختلفان في الماهية او الجوهر وحسب, وانما هما يختلفان بلغة التعبيرعن كليهما, فالوجود المادي الواقعي في عالم الاشياء والمحسوسات الخارجي تعّبر عنه اللغة المنطوقة او المكتوبة, في حين الوجود الخيالي الذي ابتدعته الذاكرة كموضوع او مادة تفكير العقل وتخليقه الجديد له, لا تعبّر عنه اللغة التداولية نطقا او كتابة كما في التعبير عن الوجود المادي للاشياء في العالم الخارجي, بل يبتدع العقل وسائل توصيل هي غير وسائل التواصل اللغوي التداولية المسموعة او المكتوبة, مثل لغة رسم لوحة او نحت تشكيلي في الفنون والجمال التي هي لغة الابداع الخيالي الذي تكون فيه اللغة والفكر وجود مضمر في مضمون اللوحة او التشكيل الجمالي.فالتعبيرالفني الجمالي لا يحتاج اللغة التعبيرية الفكرية التواصلية المجتمعية في التعبير عن وجوده المادي.
يصبح تساؤلنا كيف يفكّر العقل وما وسيلة التفكير التي يعتمدها, تقودنا الى طريق مسدود عند عدم الاقرار ان وسيلة العقل في التفكير وادراك الاشياء لا يمكن ان تتم خارج فعالية الدماغ بتخليق موضوعاته وفي توظيفه الفكر – اللغة في ادراك وجود الاشياء في العالم الخارجي المستقل التي هي نفسها في داخل الدماغ ايضا.
لا يمكننا تمييز الفكرعن اللغة داخل فعالية العقل تخليق الافكار بالصمت التفكيري داخل العقل, وانما يتاح لنا ذلك في الوجود المستقل لادراك الاشياء خارج العقل التي يصدر العقل والجهاز العصبي التعبير عن وجودها الفكري – اللغوي بعد تخليق العقل لها من جديد كناتج اجابته عما وصله عن طريق الحواس من مدركات.
ان فعالية العقل تنعدم نهائيا عند افتراضنا ان العقل يقوم بفعاليته الادراكية ومعالجتة الموضوع المدرك عقليا بغير وسيلة تداخل الفكر مع اللغة (داخل) و(خارج) العقل لافي تباين واختلاف اشرنا لهما سابقا. لم يثبت العلم لحد الآن ان تفكير العقل او الدماغ الصامت يتم بغير تداعيات الفكر الذي تستوعبه اللغة او الخيال في الذاكرة للتعبير عنه لا حقا بعد انتهاء العقل من تخليقه.وهي عملية معقدة لا يمكن معرفتها بسهولة حتى على مستوى التخصص العلمي في دراسة وظائف الدماغ والجهاز العصبي.
بمعنى داخل العقل يكون التفكيرحوارا صامتا في تعطيل اللغة المنطوقة او المكتوبة, وليس على صعيد استيعاب اللغة لتفكير العقل الصامت. وفي خارج العقل تبطل رقابة العقل الصارمة في انتاج الافكار واللغة حول المواضيع والاشياء بعد تعبيراللغة والفكر عن وجود الاشياء المستقل في العالم الخارجي دونما وصاية العقل عليها التي في حقيقتها ليست بقدراهمية امكانية اللغة التعبيرعنها, وتكون الموجودات والاشياء في وجودها المادي خارج العقل هي من حصة ووصاية اللغة والفكر المعبّر عن تلك الاشياء في تخليق العقل لها الذي اخذ مداه في تعبير الفكر واللغة عن الاشياء الخارجية بعد انتهاء تفكير العقل بها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.