خالد محمد يكتب | موجز فجر الضمير (2-2)

0

موجز فجر الضمير (2-2)
خالد محمد

فى شمال فرنسا وعلى التلال المشرفة على نهر السوم ، والتى كانت مسرحا لكثير من المواقع الحربية فى الحرب العالمية الاولى، انغرست الالوف من شظايا القنابل الفولاية ، وبعد ان سكنت المدافع ، وبقليل من البحث بفأس فى حافة هذا الوادى يجد الانسان البلط ( البلطة المصنوعة من العظام ) يجدها تجاورهذه القذائف المنصهرة ، بالاولى كان اول اجدادنا المتوحشين يستطيع ان يهشم رأس خصمه فيودى بحياته ، وبالثانية اعتاد نسله المتحضر ان ينسف عدوه ويمزقه اربا .

وفيما بين الجارتين البرت والقذائف يقع تاريخ الانسان الذى ربما يبلغ مليون سنة ، ما بين طرق فطرية للهلاك ، الى طرق بالغة حد التفنن فى السحق والتدمير 1 .

ان وادى النيل المعشب الواقع شرق ارض الصحراء لم يجذب الى داخل جدرانه صيادى ما قبل التاريخ المشتتين على ساحل افريقيا الشمالى فحسب ، بل هيأ لهم مجتمعين الظروف المناسبة للسيطرة على كل الموارد اللازمة للتقدم الانسانى فى احوال حسنة جدا ، لدرجة جعلت الجماعات المحلية

التى كانت تتالف منها البلاد تتوحد تدريجيا ، حتى اصبحت أول مجتمع عظيم مؤلف من عدة ملايين يحكمهم ملك واحد وفى ايديهم كل الاسس الرئيسية اللازمة للحضارة ، ففى القرون التى تقع بين 5000 و3500 قبل الميلاد قامت أول دولة متحضرة كبيرة فى وقت كانت فيه أوربا ومعظم غربى اسيا لاتزال مسكونة بجماعات مشتتة من صيادى العصر الحجرى .

والارجح ان اول اندماج تالفت به أمة واحدة حدث فى وقت لايتجاوز سنة 4000 قبل الميلاد وقد كان من نتائجه ان بقيت البلاد موحدة مدة بضعة قرون اطلق انا عليها الان اسم الاتحاد الاول وكان من نتيجته تاسيس حكومة مركزية قوية تعد اقدم نظام انسانى معروف يضم عدة ملايين من الانفس .

ولما تالف الاتحاد الثانى فيما بعد بدأ تطور قومى فى شكل هائل فى نظام الحكم ونواحى الاقتصاد والاجتماع والدين والعمارة والفن والادب ، اخذ يسير بخطى ثابتة مدة الف سنة من القرن الخامس والثلاثين الى القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد .

وهذا العصر البالغ الف سنة هو مرحلة فريدة فى حياة الانسان على الارض لانه يوضح لنا اول فصل فى تقدم الحياة البشرية انما هو عملية اجتماعية تكشف لنا عن مبدأ ظهور العوامل الاجتماعية وتاثيرها فى المجتمع الانسانى .

ومن المهم ان تؤكد ان كلمة فريدة التى استعملناها فى العبارة السابقة لانه لم يكن هناك فى هذا العصر البعيد نمو مطرد متعاقب فى اى بقعة اخرى من بقاع العالم القديم، وان مدة الالف سنة هذه هى التى وضعت مصر من الوجهة الخلقية والثقافية فى مرتبة تفوق بكثير ما كان فى بابل حيث كانت الشحناء قائمة بين بعض المدن وبعضها الاخر .

تلك المدن التى كانت تؤلف ممالك صغيرة تناضل عن شؤون محلية ضئيلة واستغرق نضالها مدة الالف سنة السابقة بعينها .

بل بقى بعضها على هذا النحو بعد ذلك مدة طويلة ولقد كان الاتجاه الرئيسى فى معترك الحياة فيما قبل السنين الالاف المذكورة التى تعد اساسية وهامة فى التقدم الاجتماعى هو العمل على تقدم الانسان فى التغلب على عالم المادة ، وعلى ذلك يكون وادى النيل فى نظرنا اول مسح اجتماعى يمكننا ان نلاحظ فيه الانسان خارجا منتصرا من كفاح طويل مع الطبيعة ، وداخلا مسرح العوامل الاجتماعية الجديدة ليبدأ كفاحه الشاق بينه وبين نفسه وهوكفاح لم يكد يتخطى بداياته حتى يومنا هذا .

وانا معشر الامريكيين على استعداد خاص لندرك ونقدر الانقلاب العجيب الذى جعل من الارض القاحلة ارضا ذات مدن زاهرة .

فان ابائنا الذين قامت مجهوداتهم بانشاء مدن عظيمة ثرية على طول اراضينا الشاسعة انما تلمسواالفن والعمارة والصناعات والتجارة والتقاليد الحكومية والاجتماعية بطريق الوراثة من اجدادنا الاوربين .

ولكن فى ذلك العصر السحيق الذى نحن بصدده بدا الانتقال من الوحشية الى المدنية بكل مظاهره الخارجية فى الفن والعمارة من لاشىء .

وليست اهمية ظهور المدنية فى وادى النيل منحصرة فى بهاء مبانيها فحسب بل لانه كان ايضا تطورا اجتماعيا مستمرا دون اى عائق اكثر من الف سنة اشرق لاول مرة عى كرتنا الارضية .

مقدما اول برهان على ان الانسان الذى هو ارقى المخلوقات الفقارية التى ظهرت على وجه البسيطة امكنه ان يخرج من الوحشية الى المثل الاجتماعي الاعلى ويظهر الحياة الانسانية بمظهر لم ير الكون كله على ما نعلم ارقى منه .

وفى ايامنا هه يدخل السائح ارض وادى النيل وكانه دخل ارضالعجائب على ابوابها تلك الاهرامات الضخمة التى طالما تخيل منظرها منذ نعومة اظفاره .

وعندما يصعد فى الوادى مع النهر يرى فيها وراء الشواطىء التى تحفها النخيل اسوار معابد واسعة ، توصل اليها من الشاطىء طرق مزينة بتماثيل ابى الهول ويشرف عليها مسلات ضخمة الارتفاع وقاعات وعمد فخمة ، ولكن قلمايخطر ببال ذلك السائح انه فى امريكا ووادى النيل سواء بسواء يسبق القفر كل ما يرى من فن وعمارة .

فحيث تقوم الان هذه الاثار الحجرية العظيمة كانت تمتد يوما ما تلك الغابات الكثيفة التى كانت تمتد فى اودية النيل الضيقة وكانت خالية من السبل الاف السنين اللهم الا مسالك الصيادين الضيقة التى كانت ترى ملتوية بين الاعشاب ومؤدية الى حافة الماء ، ولم يكن لسكان وادى النيل فى عصر ما قبل التاريخ اجداد متحضرين يرثون منهم اى ثقافة ، ولابد ان تجد خبرة هؤلاء القوم التى كانت اخذة فى التعمق وفى افقهم الذى كان اخذا فى الاتساع ، ذلك السحر الذى حول هؤلاء الصيادين السذج ومساكنهم الصغيرة المصنوعة من الطين واخصاص م الخوص الى مجمع عظيم، يسيطر عليه رجال ذوو سلطان وخيال واسع واصحاب امال ضخمة ، احرار لم تغل ايديهم التقاليد فعمرت تلك البقاع التى كانت يوما ما غابة .

ولم يكتفوا بنشر هذه الاثار فيها على طول النهر وعرضه بل كذلك ادركو المعنى السامى لقيم الاشياء الاجتماعية والاخلاق السعيدة بعيدا عن الانانية ما لم ينبثق فجره عن العالم من قبل .

وان الذى يعرف قصة تحول صيادى عصر ما قبل التاريخ فى غابات النيل الى ملوك ورجال سياسة وعمارة ومهندسين وصناع وحكماءوانبياء اجتماعيين الى جماعة عظيمة منظمة مشيدين تلك العجائب على ضفاف النيل، فى وقت كانت اوربا لاتزال تعيش فى عصر الهمجية الحجرى ولم يكن فيها من يعلمها مدنية الماضى .

من يعرف كل هذا يعرف قصة ظهور اول مدنية على وجه الكرة تحمل فى ثناياها صور خلقية ذات بال .

فالمدنية فى اعلى معانيها قد ولدت اذن فى الركن الجنوبى الشرقى فى البحر الابيض المتوسط ، ومع ذلك قد كان هناك منذ البداية تقدم هام نحو المدنية فى غرب اسيا المجاورة وبخاصة فى بابل حيث ظهرت فى نهاية الامر ثقافة ما تمتاز بتقدمها المطرد فى الشؤون العملية والتجارية والقضائية .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.