محمد رأفت أبو المعاطي يكتب | معركة الوعي

0

لم تعد الحروب في عصرنا تُدار فقط بالمدافع والطائرات، بل أصبحت تُخاض قبل ذلك – وربما أخطر منه – في العقول. ومن هنا تبرز معركة الوعي باعتبارها ساحة الصراع الحقيقية في مرحلة دقيقة تشهد إعادة تشكيل شاملة للمنطقة، تحت لافتة ما يُسمى بـ«الشرق الأوسط الجديد»، وهو مخطط لا يخدم سوى مصالح طرف واحد، على حساب استقرار الدول ووحدة الشعوب.
في هذا السياق، يكتسب الحديث عن الاعتراف الإسرائيلي المعلن بدولة صوماليلاند دلالات تتجاوز حدود القرن الأفريقي. فهذه الخطوة لا يمكن قراءتها بمعزل عن الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على تفكيك الدول الوطنية، وتشجيع النزعات الانفصالية، وخلق كيانات هشة تدين بالولاء السياسي والأمني لتل أبيب. الاعتراف بصوماليلاند – إن تم تثبيته دوليًا – يفتح بابًا خطيرًا لإعادة رسم خرائط النفوذ في منطقة شديدة الحساسية تطل على خليج عدن وباب المندب، أحد أهم شرايين التجارة العالمية والأمن القومي العربي والمصري.
أما اليمن، فقد تحوّل من ساحة صراع داخلي إلى مسرح لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. ولا يمكن تجاهل الدور الإسرائيلي غير المباشر في تعقيد المشهد اليمني، عبر تغذية التناقضات بين أطراف التحالف نفسه، وعلى رأسها السعودية والإمارات. فإطالة أمد الصراع، وتوسيع دوائر الخلاف، يخدم هدفًا استراتيجيًا واضحًا: إنهاك القوى العربية الكبرى، وإشغالها بصراعات جانبية تُضعف قدرتها على المواجهة الشاملة، وتفتح المجال لتغلغل النفوذ الإسرائيلي في الممرات البحرية الحيوية.
من باب المندب إلى البحر الأحمر، ومن القرن الأفريقي إلى الخليج، تتضح ملامح مخطط متكامل لإعادة هندسة المنطقة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. وهنا تأتي خطورة غياب الوعي؛ فالمخططات الكبرى لا تنجح فقط بقوة من يضعها، بل أحيانًا بغفلة من تُستهدف.
بالنسبة لمصر، فإن ما يجري حولها ليس بعيدًا عنها ولا منفصلًا عن أمنها القومي. مصر دولة مركزية في الإقليم، واستهداف وعي شعبها يُعد مدخلًا أساسيًا لإضعاف دورها التاريخي. لذلك يصبح رفع مستوى الإدراك والفهم الحقيقي لما يُحاك ضرورة وطنية عاجلة، لا تحتمل التهاون أو التسييس أو المزايدة.
إن الاصطفاف الوطني الحقيقي لا يعني إلغاء الاختلاف، بل يعني الاتفاق على الثوابت: حماية الدولة، والحفاظ على مؤسساتها، والوقوف صفًا واحدًا في مواجهة المخاطر الوجودية. ففي معركة الوعي، إما أن نكون أصحاب قرار، أو نتحول – دون أن نشعر – إلى أدوات في مشروع لا يخدم أوطاننا.
فإن أخطر ما تواجهه الأمة اليوم ليس السلاح، بل التضليل. وليس الانقسام الجغرافي، بل الانقسام الذهني. ومعركة الوعي هي خط الدفاع الأول، ومصر – بقيمتها وتاريخها وشعبها – قادرة على الانتصار فيها، بشرط أن يدرك أبناؤها حجم التحدي، ويختاروا الاصطفاف الواعي في اللحظة الفاصلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.